Showing posts with label Subjective...ذاتي. Show all posts
Showing posts with label Subjective...ذاتي. Show all posts

Friday, November 28, 2008

!قلم رصاص... وممحاة

المدير يطلبني للذهاب إلى غرفته؟!... بدأ قلبي يرتجف في صدري، جف فمي واعتصر شعور بالضيق معدتي... كنت أسير كما النائم، وقد ارتخت ركبتاي اللتين بالكاد تحملاني...

فوجئت، عندما شاهدت أخي الأصغر مني بسنوات ثلاث، آتيا من صفه أيضاً!!... كان في الصف الثاني الابتدائي في الطابق الأول، غرفة صفي كانت في الطابق الثاني!

ترى هل سيعاقبنا لأننا تغيبنا عن المدرسة لأسبوعين كاملين؟! أم أنه علم بما حصل؟! وما الذي سيحدث الآن؟!

دخلنا الغرفة سوياً... كنت وأخي ننظر نحو الأعلى... إليه... ذلك الرجل المخيف، طويل وبدين كالعملاق... إنه المدير! صاحب السلطة المخيف الذي ترتعد لسماع صوت خطواته الخوافق! يا للهول! ترى ما الذي سيحل بنا الآن؟

أنت همّام يوسف... وهذا أخاك حارثة؟

....نعم....

والدكما... الأستاذ عبد الودود يوسف؟

(داخل ذهني: لقد قال "الأستاذ"... إذن هو يكن لوالدي احتراماً ما... لكن-على غير عادته- لمَ تظهر على وجهه ملامح العجز واليأس؟ بل أستطيع رؤية بعض الحزن!)
.
...نعم...

أين أباك؟

(يا للصاعقة! كيف أجيب على سؤال كهذا؟ تسارعت نبضات قلبي... تسارعت أنفاسي... وحارت أحداقي في مقلتيهما)

...أخذه المخابرات...

(وهاجمتني أسئلة ومشاعر تزاحمت في ذهني للدرجة التي فقدت بها صلتي مع ما حولي لبرهة... أفقت بعدها على خياله الضخم يقترب مني ومن أخي، وهو يمد يديه نحونا...)

(ابتلعت ريقي... ما هذا الذي في يديه؟ ...إنه... يبدو...)

إليكما...خذا، لا تخافا...

بعينين واسعتين تجمدت حركتهما... مددت يدي ببطأ وكذلك فعل أخي الذي كان صامتاً طوال الوقت...

تناولت منه ما كان يريد أن يعبر لنا من خلاله عن تعاطفه معنا... أو ربما إشفاقه علينا... وقد ألجم فمه خوف لم يمنع يداه أن تتكلما بدلا عنه...

كلمتان قالهما المدير بيديه دفعاً لشبهة قاتلة...

عدنا أدراجنا نحو صفينا نسير ببطأ وقد خيم صمت ثقيل، ويد كل منا تمسك بكلمتين كان عليهما أن تواسيانا...

قلم رصاص... وممحاة!

ومضة


أضع يديّ في جيبي معطفي وأشدهما على جسدي متمسكاً به علّني اتقي زمهرير الغربة الموحشة...
الشال الملفوف حول عنقي بالكاد يقيني سيوف الريح الباردة لتلك الساعة من الليل...
أخترت... رغماً عني، أن أسير على قدميّ عائداً لمعتكفي...
تلك الغرفة التي أسكنها أكثر مما تسكنني، ريثما تأخذني رياح عابري السبيل في رحلة أخرى...
أطلقت عقال خطواتي المتوحدة كي تعود بي، فقد باتت تعرف الوصول لوحدها...
على رصيف ذاك الليل كان البرد الأقسى هو الذي تنفثه لواعج شوقي ليد تمسح على صدري فتبرئه من حيرته ووحدته...
ملامح الأشجار التي اختارت السبات بعد أن تخلت عن زينتها، تشق بأغصانها الداكنة، الزرقة الرمادية الملطخة بالغيوم لسماء لم تكن تعد إلا بالمزيد من تقلب الأبصار.

كل البلاد مشرعة أبوابها لك...
ما عدا تلك التي تسكنك وتحن للرجوع إليها، علّ روحك تسكن فيها...
لكنك تذكر بتردد كيف أن روحك ما سكنت فيها...
فتشد سيور خيالك الجامحة مخافة أن يهلكها السراب...
ثم يبتلعك السراب...

ترى... كم من المسافات علينا أن نبتعد... كي نجد أنفسنا...
كم من المخاضات ستهصرنا...
كم فراقاً سيقتلعنا قبل اللقاء...

ترى...
وهم هي أم طيف أمل...
ترى...
هل تنام ملء جفنيها...
ترى...
.
.
.
ثم أسرق من مارسيل كلمات…
علها تحط على نافذتها:

بغيبتك نزل الشتي قومي طلعي عالبال
في فوق سجادة صلاة و اللي عم بيصلوا قلال
صوتهم مثل مصر المرة و بعلبك الرجال
عا كتر ما طلع العشب بيناتنا... بيرعى الغزال
.
وديت مع راعي حماه يشفلي الطقس شمال
قلي السنة جاي هوا بيوقع الخيال ويلي
ياريت لا سرجت الفرس... و لا بعتت هالمرسال
.
بيتي مثل ورقة احترق ما عاد عندي أهل
شبهتك بهالسهل
بقرص العسل عملوا عمهلو النحل
شبهتك بحالي
بالعمر ماشي وراكي يلملم خيالك
يلملم خيالك أااه يلملم خيالك
.
وجهك طقس متل الصحو دايخ ومش سكران
متل الشتي نازل على حزيران
وجهك طاف النيل غرق مصر
في مملكة عم تنسرق مفتوح باب القصر
.
وجهك من هون بيحدوا الشتي و من هون حدوا الثلج
شاعر حمل حالوا بها الموت حدوا الوهج
.
شبهتك بكل الدني من بعدك عليها السلام
بس تفرحي بيطير من صدري الحمام
بس تزعلي عا مصر باخدلك الشام
باخدلك الشام

Tuesday, November 11, 2008

المتوحدون

خطوات قليلة في أعلى التل انكشف بعدها الشفق الأحمر لغروب ذاك اليوم...

ركز الرمح بجانب قدمه اليسرى معنمداً عليه وأرسل ناظريه ماسحا السهل البعيد الذي انداح في الأسفل...

نسمات خفيفة حركت خرق جلود الذئاب التي غطت جسده العاري...

كان شعره الطويل يخفق مع هبات النسيم بينما كانت نظرات عينيه الغائرتين تترصد حركات الفرائس المحتملة في البعيد...

يوم ثان، ولم يجد شيئا يقوت به أسرته الصغيرة بعد...

أطبق جفنيه هنيهة... ومرّت أطياف أجداده المحاربين في مخيلته... لم يكن ليستسلم.



بعد ثلاثة أيام عاد... يجر وراءه الجزء الأكبر من وعل كان قد أرداه في لحظة توقف فيها الزمن، إلا من مشهد الرمح يخترق الهواء اللزج بحفيف شبه مكتوم...

قد عاد منتصراً في مغامرته الصغيرة تلك...

وبينما كانت الأسرة الصغيرة تلتهم اللحم الذي نضج على نيران كومة الحطب البدائية...

كان هو يقص ذاكرته على جدار الكهف بخطوط متعرجة أعاره إياها الحطب المتفحم...

كانت موهبته شيء نمى معه دون تمرس، على عكس مهاراته في اقتفاء أثر الطرائد وقنصها... تلك، منحها إياه أبوه وجده من قبله...



وتمر الأحقاب... وأجدني أقلب صور أجدادي المطبوعة على جدار كهف ذاكرتي... وأخطها حروفا لا يمكن لمسها، بلون أسود ليس للفحم فيه فضل ولا منة هذه المرة...

ترى... من كان ليتصور أين كنا وأين... سنكون.. وأية قفار كونية نتوه فيها بحثا عن فرائس تشبع نهمنا المعرفي... وأية آفاق سنجتاز... ونتبع سببا...



تابع ترحالك يا من يحمل في عمق ذاكرة خلايا بدنه قصص أجداده المحاربين... عليك فقط أن تطبق جفنيك هنيهة.

هؤلاء... سلالة خلقت لقهر الآفاق... وإن كانوا في أوقات عديدة... متوحدين

Friday, April 04, 2008

في الغار

اعذراني شمعتاي... أعلم أنكما في كل يوم أقرب... للنهايه
وأنكما تتشوقان... كل يوم... لنار شعلتي التي تحييكما... لتستشهدا سعيدتين ببذلكما...
فما قيمة الشمعة التي لا تحترق...؟


كذلك هي روحي... ربما
لا معنى لها إن لم تحترق...
عساها تنير لبرهة قصيرة... وريقات يخطها شاعر.. عاشق.. أو محروم...
في سكون العتمة.

إلهي...
ها نحن وحيدين معا... كما في كل مرة.

يريدون مني...
أن ألقيَ بصوري التي رسمتها عنك... وأستبدلها برسومهم
أن أمزقَ ما كتبته في ثنايا روحي عن أوقاتنا معا... وأستبدلها بكلماتهم
أن أكفر بخيالاتي... لأعتنق خيالاتهم
أن أومن بك لاشبيه لك... إلا تماثيلهم
أن أومن بك لا شريك لك... إلا آلهتهم

لكني لا أملك أن أكون إلا نفسي... لا نفوسهم

يبارزونني بسيف غضبك... فأمتشق درع رحمتك...
يرمونني بسهم سخطك... فأتقيه بستر عفوك...
يغرونني بسعة حلمك... فأحذرهم من مكرك...
يستدرجونني برحيق غفرانك... فأذكرهم بعدلك وقصاصك...

...

وأعود إليك... لنجلس سويا في عتمة ليل تعبي...
وأحدثك عن معاركي التي أثخنتني... سجالاتي... انتصاراتي... هزائمي
أحزاني... أفراحي... خطاياي وتلعثماتي وخوفي وإقدامي و...

وتستمع إلي...
وتحنو علي...
وتشد أذني...
وتؤنبني...
وتربت على كتفي... وتمسح على رأسي

وأجادلك وأناديك... أستعطفك وأخاصمك... وأشتاق إليك...
وأقبل عليك فتقبل علي وتضمني...
فألقي بأثقال نفسي المتعبة من ذاتها... وأذرف عبرات حَرّى.. تقتلع أسى قلبي وحزن وحدتي

أحبك ربي ومعيني

أعلم أنني سأجد الباب مفتوحا والنور مضاءا... كما في كل مرة
فتستمع إلي وتنصت لموسيقاي ذاتها التي أعزفها... كما في كل مرة

فتهدئ من روعي وتؤنس وحشتي...
تربت على كتفي و تمسح رأسي وتضمني عالما أنني سأعود إليك غدا... كما في كل مرة، وأغفو خائفا من غضبك وقدرتك... فتغطيني بدثار رحمتك وغنى نفسك

لا إله إلا أنت لا شريك لك
.

Wednesday, January 30, 2008

Amidst consumerism... a prayer

Each year, we say This Year… and the years pass away.

It's been long time since I drew… by words, any story. Or tried to capture with letter strings, drifting thoughts that use the space of my silence as a crossing station towards a destination… still unknown to me.

And here I am feeling out with my memories' fingertips the ruins of engravings left by forgotten remembrances on the walls of my frightened silence – besieged by the monotonous noise of the winds of the consumerist becoming.

And in the blowing of the wind… I am merely a pollen particle which doesn’t know when will be the spring?

What I own grows more… but I feel I am becoming less.

Lord, I beg the solace of your company in this rampant ocean that drives everything far from you.

And forgive my…

Wronging of myself,
Ignorance of myself,
Indulgence in me,
Anger at myself,
Awareness of myself,

And my Despair… of me.

في لجّة عصر السرعة... دعاء


كل عام، نقول كل عام... وتمر الأعوام.

منذ زمن لم أرسم... بالكلمات أية قصة. ولم أحاول أن أقيد بخيوط الحروف خواطر شاردة، تتخذ من فضاء سكوني محطة عبور نحو مكان... لا أعرف مكانه.

وها أنا الآن، أتلمس بأنامل ذاكرتي أطلال نقوش، تركتها خواطر منسية على جدران سكوني المتلفت خوفاً من حصار الضوضاء الرتيبة... لريح الصيرورة الاستهلاكية.

إنني في مهب الريح... ذرة طلع لا تدري متى البداية؟

ما أملكه يزيد... وأنا أشعر أني أنقص.

ربي... أسألك السلوان في هذا اليم المتلاطم بعداً عنك.

اغفر لي ظلمي لي، وجهلي بي، وانغماسي فيَّ، وحنقي عليَّ، والتفاتي إليَّ، ويأسي منّي...

Tuesday, December 25, 2007

الانتماء... أيضا

جاءت هذه المراسلة كمتابعة في نفس سلسلة المراسلات التي دفعتني لنشر التدوينة الأخيرة، وأجد أنه من الواجب أن تذكر المرأة التي كانت الجندي المجهول نوعا ما إلى جانب والدي... والدتي! تحية وتقدير وامتنان للسيدة المجاهدة نهلة القزق.

أيضا تجدون نص المراسلة التي أرد عليها في ما يلي الرد. كما أصرح أنني خطر لي أن أخفف من هجومي اللفظي على بعض الشخصيات الواردة في ثنايا الكلام، فقد خفت حدة غضبي (يبدو هذا بعد أن عبرت عنه) وأشعر أنه كان عليّ أن أكون أكثر هدوءاً، إلا أن أمانة النقل أوجبت عدم تغيير النص، فعذرا سلفاً عن النعوت والصفات، وأبقي أحكامي على التصرفات قائمة، رغم إمكانية كوني مخطئا فهذا من حقي.

***

سلام جديد لا عنفي عليكم،

أما بالنسبة لوالدتي... فلا أدري إن كان يمكنني الحكم على نقلاتها الفكرية إن صح التعبير... ماأعلمه هو أنها فعلا عبرت عدة مراحل ونقلات، وهي بالمناسبة كانت، قبل أن تكون الشخصية الثانية بعد منيرة قبيسي (إن صح ذلك) تنشط على مستوى الطالبات والطلبة في المرحلة الثانوية وكانت من الشخصيات البارزة حين ذاك، وأذكر أنني شاهدت صورة لها مع جمال عبد الناصر ضمن وفد طلابي في تلك الفترة وكانت حاسرة الرأس... إلا أنها قررت ارتداء غطاء الرأس قرب انتهاء السنة الأخيرة في مرحلة الدراسة الثانوية، وأظن أنها بعد ذلك تعرفت إلى منيرة القبيسي ونشطت معها في الوقت ذاته الذي كانت به تحتل موقعا مميزا في اتحاد الطلبة لقدراتها الخطابية الأدبية العالية.

نهلة القزق هي ابنة عبد العال سليم القزق (رحمه الله)، الرجل الفلسطيني العصامي والمقاول الناجح الذي اختار أن يلجأ إلى العمل الفدائي المسلح في فلسطين وبالذات في مدينته حيفا (حيث ما تزال عقاراته هناك بانتظار من يستردها) وقد احتك هناك بالشيخ نمر الخطيب، وصادف الشيخ تقي الدين النبهاني (الذي اجتمعتُ بحفيدته -أو ابنته- التي كانت صديقة لوالدتي وأدخلتني عالم اللغة الانكليزية تحضيرا للمرحلة الإعدادية) ومن ثم اضطر جدي إلى الهرب من حيفا قبل أو أثناء فترة صدور وعد بلفور، وتطويب فلسطين باسم اليهود بجريمة قانونية تاريخية سوف يستمر العالم بدفع ثمنها إلى أن ترجع الحقوق إلى أصحابها. فلسطين والقضية الفلسطينية لم تغادرا وجدان جدي و حمّلهما لأبنائه ولابنته البكر (والدتي) وأخيها الذي يصغرها (سليم) بشكل أساسي، سليم هذا الذي نشأ على النشاط والحماس لأجل القضية، دارت به الأيام والتطور الطبيعي لشخص مثله واجتمع مع والدي في السجن ذاته بعد أن اقتحمت الدبابات المسجد الأموي في عهد أمين الحافظ، وهناك شاهد والدي فتاة تأتي لزيارة أخيها وتجلب له كتبا ليقرأها... تلك كانت بداية قصة نهلة القزق و عبد الودود يوسف.

في الفترة ما بين ارتداء نهلة غطاء الرأس و لقائها بوالدي نشأ توجه نحو "الالتزام" في عائلة عبد العال سليم القزق (جدي) الذي كان لم يضغط على عائلته سابقا فيما يختص المظاهر الإسلامية رغم أنه كان مؤمنا متمسكا وممارسا على الطريقة الشاذلية، واستمر هذا التوجه متصاحبا مع مواهب واهتمامات والدتي في مجال النشاط العام ومع اللون الجديد الذي أدخلته تجارب والدي إلى المعادلة،و هنا حصل الاحتكاك بالتيار السلفي الألباني وفكر جودت سعيد في الوقت ذاته، ومما يجدر ذكره هنا أن السيدة ليلى سعيد (رحمها الله) ووالدتي ضمن مجموعة من النساء القلائل في تلك الفترة، كن هن اللواتي ارتدين "الجلباب" لأول مرة في سورية (على حد تعبيرهن) والذي انتشر تدريجيا ضمن أسر جودت سعيد و عبد الودود يوسف، ومن ثم انتشاره الأوسع في دمشق وبقية أرجاء البلد.

عبد الودود كما ذكرت لم يكن تابع تنظيميا و حتى فكريا لأحد، رغم تأثره بمعظم من كان حوله من التيارات والشخصيات، وممن لا يغفل أثرهم كان "سيد قطب" وفكرة الحاكمية ومؤلفه المشهور "في ظلال القرآن،" وعلى ما أعتقد أن والدي أراد أن يقوم بنشر فكره عن ضرورة مقاومة الظلم والواقع المتخلف للمسلمين سياسيا اجتماعيا وعلى كافة الصعد، بالطريقة ذاتها التي قام بها "سيد" في "ظلاله" فقام بكتابة (مايسمى، على حد تعبير السيد حامد) "تفسير المؤمنين،" ولم يكن التركيز في ذهن والدي (على ما أعتقد) أثناء كتابته للتفسير، على مراعاة التفسير الحرفي، أو السلامة من الشبهات العقيدية التي يتسلى بها بعض "المتفارغين" كـ "علي موزة" و "علي زرزور" عندما تهالكوا على انتقاد "تفسير المؤمنين" في كتبهم و منشوراتهم من مثل "حضارة الإسلام."

كان تركيزه منصبا على نشر فكرته الخاصة حول الجهاد والمقاومة، والتي لم يكن ليستطيع تمريرها في كتاب مستقل ضمن أجواء سيطرة حزب البعث والنظام الطائفي "التقدمي" إلا من خلال حيلة بثها عبر تفسير للمصحف الكريم ينتشر بين الناس البسطاء بلغة قريبة و مفهومه، فحصل على السماح بالطباعة والنشر. إلا أن القيادة القومية (أو القطرية) لحزب البعث تنبهت لهذا الأمر و أوصت ضمن تقرير (وصلت نسخة منه لوالدي، واطلعت عليه والدتي) أصدرته بمحاربة انتشار التفسير وحث رجال الدين "المرضي عنهم" على مهاجمته والنيل منه على المنابر، وهنا جاء دور "البوطي"

عبد الودود، أقر أنه يجب إدخال التغييرات و التصحيحات المحقة في التفسير كشرط أساسي إن كان التفسير سينشر مرة ثانية، وهذا ما صرح به والدي لوالدتي عندما كنا نزوره في سجن قلعة دمشق وعبر عن رغبته الملحة في ذلك... "لا تنشروا التفسير أو تعيدوا طباعته قبل إدخال التعديلات والتصحيحات"

فترة بقاء عبد الودود في سجن القلعة لم تطل، فبعد أن كان أتي به من "كراكون الشيخ حسن" حيث تم إجراء التحقيق الأولي معه هو وبقية أفراد الأسرة والأصدقاء الذين ذكرتهم سابقا، تم استدعاؤه للتحقيق مرة أخرى، لكن هذه المرة كان مصيره الاختفاء حتى يومنا هذا! وأنا كنت من شاهده للمرة الأخيرة عندما سمح لي حراس سجن القلعة بالدخول بعد طول رجاء و تذلل من العشرات من النساء اللواتي أنهكهن الانتظار ذلك اليوم، أدخلت له بعض الملابس... والأشواق... الأخيرة.

ما أزال أحتفظ بملخصات والدي للكتب التي كان يدرسها مع جودت، والدروس و المحاضرات وكتب مالك بن نبي، كما كان كتاب "كيف هدمت الخلافة" أحد عشرات المئات من الكتب التي تركها والدي وراءه، كما كان كتب مثل "كيف انتصر الفيتكونغ" و رواية "كيف سقينا الفولاذ" لـ "ليو تولستوي" و سلسلة كتب "لينيننا" ورواية "الأم" لمكسيم غوركي، وفتاوى ابن تيمية.... كتب عباس محمود العقاد مثل "عبقرية عمر" وكتاب "معالم في الطريق" و "في ظلال القرآن" لقطب، والترغيب و الترهيب للنووي، وكتب شوقي أبو خليل و المودودي و ناصرالدين الأباني، ومصطفى محمود و و .... الخ

وأنا، ابن كل ما سبق، ولم أذكر العديد من التفاصيل بالمناسبة!

الآن...

ما هو الغريب يا سيد حامد؟
أن يكون ابن نهلة القزق " متزوج ويعيش في التشيك وهو من الإسلاميين الجدد ((اللا عنفيين))" على حد تعبيرك، هذا غريب!؟ ولماذا هو غريب؟
ولماذا لم تعمل أسرتك الكريمة على إعادة الصلات بعد أن "انقطعت صلة هذا التيار بأسرتنا بعد أن منعت الدروس التي كانوا ينظمونها أواسط الستينات!!"
وهل "زوجها" نكرة كي لا يذكر اسمه؟

أم أن الناس فقط يبرعون في الكلام على الآخرين!؟

وأيضاً...

هذه هي الفقرة "المخفية" ما قبل "ثانيا" في رسالة سابقة لك سيد حامد:

السؤال الأول
هو استغراب هذا الشخص لأن يكون هناك خلاف سابق بين همام ود.محمد العمار رغم أنه يجدهما جد متشابهين
أنا قلت إنه في غياب حامد فإن الخلافات البسيطة تطفو على السطح بينما تختفي بظهور خصم مشترك
هل لي أن أعلم لم أخفيتها؟ ومن هو هذا "الشخص" الذي تتناول و إياه شؤون وأعضاء المجموعة!؟ وهل هناك مشكلة إن كنت ومحمد العمار متشابهين، أو على خلاف؟ وما المعنى الذي تحاول إيصاله هنا!؟ وأرجو منك يا سيد حامد أن تتواضع قليلا... فعلى ما أظن أن محمد العمار، ويقين عن نفسي، نعتبر حضرتك "مهم" و "خصم" بقدر ما تمثل أفكارك موضوعا يستحق النقاش، وليس ذلك خصومة شخصية كما توحي كلماتك! بالله عليك أنت فعلا تصدق ما قلته!؟ وعندما تراجع بقلب و ذهن مفتوحين مراسلاتنا السابقة ستجد دلائل كثيرة على خطأ نظرية الخصومة المبتذلة (أقل ما يقال بها) التي تفضلت بها هنا... عجيب!

هل من الإخلاص أن يقوم "البوطي" مع احترامي لبعض ما يتفضل به بالـ "الردح" على منابر المساجد، في الوقت الذي ينسى أن يقول كلمة حق لدى سلطان جائر بل مجرم بحق الشعب الذي يتنزل عليه البوطي ببركاته من فوق المنبر!؟ أم من الإخلاص أن تطرد طالبة علم شرعي من محاضرتك في كلية الشريعة وتهينها أمام زملائها، بينما تتبجح بفحولتك علنا في مناسبات مختلفة، كما فعل "التافه" البغا!؟

شتان ما بين ما يقوله جودت (في السر والعلن) بحق الأنظمة العربية والشعوب العربية، وبين الهاربين من متاحف التاريخ الخائفين على مراكزهم بالدرجة الأولى!

وكيف تقارن يا فهلوي زمانك بين من كان ترتيبها الثانية على القطر في الثانوية الشرعية، وبين من لايستطيع قراءة القرآن من البعثيين المدحوشين في كلية الشريعة!؟

"البغا" يستطيع فرد شخصيته "المجعلكة" على من يعلم أنه لن يتسبب له بالأذية، كابنة "المجرم عبد الودود يوسف" (كما سمته كتب البعثيين، رغم اعترافهم أنه لم يمارس العمل العسكري أو العنف،) نعم... انتفشت أسارير هذا التافه... وامتشق حسامه ولسانه، وانطلق لنصرة الله و الدين... وأعلنها حربا لا هوادة بها... على من!! ..... على هذه الفتاة.

أنا واقعي سيد حامد... وأحترم فقط من تطابق أفكاره تصرفاته وادعاءاته، هؤلاء "رجال دين" و في ديننا ليس هذا الصنف معترف به، المعترف بهم هم "العلماء العاملون" كالعز بن عبد السلام الذي تصدى للماليك وظلمهم.

نحن يا سيد حامد، تركنا لنخوض في الحياة بكامل حريتنا، هذا ما فعله لنا آباؤنا إضافة لما زرعوه فينا، وعندما كنتُ أضع المسواك في فمي وأتنقل منتعلا "الشالوخ" و مرتديا الدشداشة وبعض الزغب يتناثر على وجهي، لم ترتعد أمي، لكنها ارتعدت عندما كنت أفكر بالذهاب إلى السعودية لأدرس الشريعة هناك أو عندما كانت تداعب مخيلتي المراهقة فكرة الذهاب للقتال في أفغانستان! فأعلنت سطوتها عليّ وشكرا لها أن قد فعلت. ثم لم ترتعد عندما تحول منزلنا إلى ساحة صراع فكري بين أفكار حزب التحرير والفكر التقليدي السلفي، ثم لم ترتعد عندما شاهدت الابن يعود إلى مشارب والده ويزور صديق والده "جودت" بل صعدت معه الجبل هناك حيث "خميس جودت" كل شهر. وأعانها الله عندما اختفى ولدها قرابة العام ثم عاد صبيحة ذات يوم شتوي.

وعسى أن يجعل الله خواتيم أعمالنا خيرا بفضل منه لا بما اكتسبت أيدينا.


تحية ملؤها السلام...
همّام

***

فيما يلي النص الذي حفزني للرد...

السلام عليكم ورحمة الله

لعل ما أضيفه ليس جديدا ولكنه في إطار قراءة تطور فكر بعض الشخصيات المحورية فكريا بشكل عام
عندما سألت والدي فيما إذا كانت الدكتورة نهلة من دفعته... قال بأنها كانت زميلة لعمتي في الكلية...
[الوالد]ما سبب السؤال...
[الابن]أنا تعرفت على ابنها...
[الوالد]كيف هي؟...
[الابن]أنا لا أعرف عنها شيئا ولكن ابنها متزوج ويعيش في التشيك وهو من الإسلاميين الجدد ((اللا عنفيين))...
[الوالد]هذا غريب فالدكتورة نهلة كانت الشخصية الثانية في هيكلية التبليغ النسائي بعد منيرة قبيسي التي عرف هذا التيار فيما بعد باسمها... وانقطعت صلة هذا التيار بأسرتنا بعد أن منعت الدروس التي كانوا ينظمونها أواسط الستينات!!
أما زوجها فقد انقطعت أخباره بعد الفترة الأولى من التحقيق رغم أنه لم يكن على علاقة بالإخوان وقد شهدت السنوات الأخيرة نقدا شديدا من مجلة حضارة الإسلام التابعة للإخوان لتفسيره المسمى تفسير المؤمنون
***
ومن مراسلة أخرى ما يلي...
ثالثا- مسألة البوطي والبغا وحتى جودت سعيد....إلخ
أعتقد أنه من الأفضل لنا جميعا أن نكون واقعيين ونحترم ولو ضمنيا اجتهاد الطرف الآخر المختلف قليلا أو كثيرا في ظل قرائن تشير إلى أنه مخلص في غايته
أي مطلع على التيار السلفي في الشام حتى أواسط التسعينات كان يعلم رؤية السلفية للدكتور البوطي المنافح عن المذاهب والأشاعرة في وجه خطر يهدد بجعل الأمة مليار مجتهد.. وأنا لم أكن أرى في هذا أي مشكلة حتى 97-98 عندما بدأت بالاحتكاك بمفاهيم ناتجة عن المنهج السلفي وبعض روايات أؤلئك الذين خرجوا من السجون عن أفكار السلفيين الإخوانيين في السبعينات والتي يبدو معها رضاع الكبير أمرا بسيطا.... هنا ألتمس قليلا من العذر للدكتور البوطي في مهاجمته لكل ما تفوح منه رائحة السلفية
وأما كونه بوقا للسلطة فقد دار نقاش طويل هنا بهذا الشأن بدأته رزان ولكنني أكتفي بدعوة الجميع مقارنة هذا الاتهام باتهام موجه لجودت وخالص ومن لف لفهم بأنهم أبواق للعولمة والتغريب؟
في النهاية خسر البوطي جولة شد الحبل مع السلفية ليس بفضل بنيتها بل لأنه دفعها من الألباني إلى الدكتور عبد الله عزام في كتابه الجهاد أما موضوع البغا فنفس الأمر ولكن صديقي همام:: عندما دخلت الميكانيك عام 1990 كان الدخول إلى كلية الشريعة أصعب من كلية الرياضيات لطالب العلمي ولكنه متاح لمجرد كونك حزبي ناجح؟؟ما هو المعيار الذي تريد من البغا وأمثاله تطبيقه لكي يحاول أن يؤخر وجود قاض شرعي في بلدتي منذ أعوام لا يعرف كيف يقرأ القرآن؟

Friday, December 07, 2007

فلنتكلم الآن عن الانتماء

أشارك ببعض الأفكار والكتابات في مجموعة للمراسلة من مجموعات غوغل، تدعى المجموعة "نقاش مفتوح حول الفكر والإسلام،" وكثيرا ما يستغل أحدنا مراسلة من المراسلات لتمرير بعض الأفكار والمشاعر التي قد لا تكون على صلة كاملة بها، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود تلك الصلة تماما.

فيما يلي نص مراسلة كنت قد عبّرت بها عن بعض ما اعتلج في صدري عند قراءتي لما كتبه أخ لنا في هذه المجموعة، وسأضع نص مساهمته في نهاية هذه التدوينة.

***

فلنتكلم الآن عن الانتماء


وعليكم السلام،

هذا قد لا يكون بالضرورة إجابة عن تساؤلات حامد، إنما هو ربما لمس من حيث لا يدري وترا حساسا لدي وعسى أن تتمتع بالروية والصبر عزيزي حامد!


والدي هو عبد الودود يوسف (كاتب إسلامي التوجه، ماجستير تاريخ من جامعة عين شمس، القاهرة) ... وأظن أن البعض ما زال يذكر من كان هذا الشخص و ما كان اتجاهه، إلا أنني ربما سأوضح قليلا ما كان عليه.

نشأ والدي في مدينة حمص في بيئة متدينة تقليدية إلا أن أسرته (جده من والده تحديدا) كانت من الأسر التي يحترمها الناس بسبب التزامها وورعها، ثم أثناء دراسته احتك بالفكر الإخواني وعلى رأسه مصطفى السباعي. ولا أدري بالضبط متى كان احتكاكه بطرح ناصر الين الألباني وطرح جودت سعيد، وهل كان ذلك قبل أو بعد انتقاله إلى مدينة دمشق. السمة العامة لوالدي كانت أنه شديد النشاط و الحماسة لدينه والمسلمين، و تذكر والدتي (نهلة عبد العال القزق، طبيبة) التي كانت ساعده الأيمن دعويا، تذكر بوضوح أنه لم يكن تابعا لأحد تنظيميا أو سياسيا، إلا أنه كان قادرا على التواصل مع الجميع. كان منزلنا على ما أذكر لا يكاد يخلو من الأنشطة الدعوية الإسلامية كشرح الحديث النبوي و تعليم قراءة القرآن والفقه ... الخ، وتذكر والدتي كيف زار مالك بن نبي هذا البيت الصغير في زيارته الوحيدة إلى سورية.

في بيتنا غرفتان على أحد جدران كل منهما رفوف تحتشد الكتب من جميع الاتجاهات فيها... الأديان والفلسفات والتاريخ والروايات.

إضافة إلى رؤية والدي.. والدتي.. خالتي.. جدي.. وصديقة والدتي، يقتادهم المخابرات صبيحة ذلك اليوم إلى المجهول، و من ثم عودة الجميع (ما عدا والدي) بعد فترة لا أذكر بالضبط كم طالت، ربما وصلت إلى الأسبوعين، وفي هذه الأثناء.. تم مطاردة واقتناص من بقي من الرجال في عائلتي فهرب أحد أعمامي وما يزال خارج البلد، العم الثاني كان في العربية السعودية إلا أنه عندما قرر العودة بعد 17 عاما من الغربة، كان له نصيب أيضا فاستضيف لمدة سنتين ليخرج إنسانا غير متوازن تماما حسب ظني، زوج إحدى عماتي أخلي سبيله بعد اثني عشر عاما لأنه كان قد حكم عامين!! وما يزال زوج عمة أخرى مجهول المصير كما هو مصير والدي.

كنت في العاشرة عندما شعرت بالرعب لرؤية والدي والأصفاد في يديه، فبدأت أجهش بالبكاء.. ولم يف والدي حتى الآن بالوعد الذي قطعه لي و هو ينظر إلي حينها قائلا: "لا تخاف بابا أنا راجع عن قريب" ... ومنذ ذلك اليوم... ما زلت أجهش، وما تزال عائلتي تجهش، وما يزال الآلاف يجهشون.

فيما بعد.. ولأنني أساساً أحب الاطلاع ولأنني قد تمت قولبتي وبشكل قاس كشخص يحمل همّ المسلمين والانتماء الإسلامي، وجدتني أسير على الخطوات ذاتها، فعرفت السلفية الألبانية و تماهيت بها لفترة، وتعرفت إلى الفكر الإخواني السياسي و تأثرت به رغم أنني لم أنخرط فيه بشكل منظم، وقدوتي في هذا والدي الذي لم يحصر نفسه في أي من الاتجاهات السائدة حينها، ومن ثم تعرفت إلى تقي الدين النبهاني ونظريته عبر حزبه و كتبه... وأيضا تماهيت به لفترة بشدة وحماسة وتعمق أيضا، إلا أنني و كما هي العادة لم أعط قيادي له.. ودخل جودت سعيد ومحمد شحرور وعلي شريعتي ومالك بن نبي مجال رؤيتي في الفترة التي كانت أواصري مع حزب التحرير تضعف لعوامل فكرية وأمنية، وهكذا إلى أن عمل منهج اللاعنف ونقد العقل وفتح باب الاجتهاد (أو تحطيمه برأي البعض) على يد محمد شحرور إلى إيصالي إلى نقطة القطيعة المعرفية مع منهج الفكر الإسلامي التقليدي، هذه القطيعة لم تكن تبرؤاً من الانتماء بقدر ما كانت ضرورة فكرية منهجية كي أستطيع محاولة رؤية دائرتي المعرفية الثقافية من خارجها.

منذ ذلك اليوم، أصبحت أنتمي لنفسي، نفسي التي هي مسلمة أساساً إنما أيضا هي خاصتي بالدرجة الأولى. وتهاوت الأصنام البشرية واحدا تلو الآخر، خصوصا أن قراءتي النهمة في علم النفس والتحليل النفسي كانت تريني لدرجة معينة من الوضوح كيف أننا جميعا محكومون بعدد كبير من الاشتراطات الواعية وغير الواعية، والتي تؤثر حتى في طريقة تناولنا لعوالم السياسة والثقافة والفكر والدين. ولأنني أعلم يقينا أنني محكوم بكل ما ذكرته سابقا، وأن ما أظنه حقيقة حقيقية هو رؤيتي الشديدة الخصوصية وأنني أعيش في الكون الذي أشكله لنفسي، فكيف أعطي قيادي لأي كائن ضعيف آخر..

وأفلح سحر جودت سعيد وعلي شريعتي و محمد شحرور وبيير داكو وهرمان هسه وليو تولستوي و النبي محمد وعيسى و موسى والبخاري و مسلم و الشافعي وتوماس أديسون وألبرت أينشتين و الفارابي و الجاحظ وجارنا الغشاش في حارتنا والأستاذ الظالم في مدرستنا والمشرف المنحاز في كليتنا، والكثير الكثير الذين لا أذكرهم... أفلح كل من كان في كوني الخاص في دفعي بعيدا عنهم... لأقول لهم: شكرا لكم... لقد وصلت الرسالة...لا انتماء إلى أحد منكم...... لا إله... إلا الله

وأنا الآن أصارع نفسي وأحاول التقرب من الله، وأظن أنني على حق و أخاف أن أكون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، أقبل على الله و أفتر عنه أخاف منه و أغضب منه وأحبه وألجأ إليه و أيأس منه وأترجاه... تحتشد في نفسي المتناقضات جميعها مع أحلامي و ضعفي ومطباتي ومثالبي.

بعد هذا كله أتساءل...

ما لذي يمكن أن تعنيه جملة: "على الشاب أن يكون أكثر وضوحا وأن واجبه الديني يقتضي ذلك" لا أدري لم أحس أنه يشع منها معنى بدائي!!

والوضوح كيف يكون ؟ لا أدري؟

هل الانتماء الديني له لباس خاص؟ لون؟ جنسية؟ طريقة معينة في التحية؟ ماذا؟...
من الذي له الحق... والقدرة! أن يحدد كيف يكون الانتماء و كيف يكون الوضوح؟

البوطي لي موقف منه بسبب أنه كان وربما ما يزال بوق للسلطة، وسبب آخر شخصي أنه كان يهاجم "تفسير المؤمنين" و كاتبه (والدي) على المنابر.

مصطفى البغا قام بطرد أختي (التي كانت قد حققت المرتبة الثانية على القطر في الثانوية الشرعية) من قاعة المحاضرات، لأن له رأي خاص في غطاء رأسها وشكل لباسها... هذا التافه... قمت أنا ووالدتي بالمسارعة لمنزل زوجته الأولى (أعتقد أنه متزوج من 3) عندما كانت تشتكي من ألم ما.. هذا هو الموقف الحقيقي.. الموقف المنتمي.. موقف والدتي.. وليس موقف من طرد ابنتها.

أنا بكل بساطة كنت أدفع ثمن الانتماء، منذ استطعت أن أعي ما يجري حولي، وعلمني كل المتشدقون البارعون في الحروب الكلامية، الذين لم يضطرهم "انتماؤهم" للمخاطرة بمواقعهم أن أقول لهم... أغلقوا أفواهكم.. أنا الذي أعطي انتمائي شكله لا أنتم يا باعة الكلام.

هذه ردة فعل سجين سياسي سابق إبن سجين وسجينة سياسيين سابقين

فلنتكلم الآن عن الانتماء...

تحية ملؤها السلام...

همّام

***

فيما يلي مراسلة حامد التي دفعتني لكتابة ما سبق


قراءة في واقع تجديد الفكر الإسلامي 7

السلام عليكم ورحمة الله

يفترض بهذه أن تكون الجزء السابع من سلسلة مقالاتي وبشكل أدق كنت أتوقع ألا أنشرها ولكنني قمت بتعديل سريع عليها وأرسلتها

مشكلة الانتماء في صياغة التوجه الإسلامي

عندما كنت طفلا صغيرا بداية الثمانينات كان يعمل مع أحد أقاربي عائلة غير عربية لديها ابن شاب يدرس شريعة لا أدري كم يفصلني عنه عمرا ولكننا كنا نحبه ربما لأنه الوحيد الذي يتكلم العربية رغم قلة زيارته لعائلته
ما رسخ في ذهني حوار بينه وبين قريبي ((كلاهما إسلاميين)) لا أدري مضمون الحوار ولكنني أدركت ارتباك الشاب وسط اتهامات ما فهمته منها أن على الشاب أن يكون أكثر وضوحا وأن واجبه الديني يقتضي ذلك
مضت الأيام وغادرت الأسرة ولم أعلم عنها شيئا منذ ذلك الحين وذهب قريبي مع من ذهبوا دون عودة.. وعشت الجزء المتبقي من الثمانينات إسلامي التوجه والمظهر دون مضمون حقيقي بغياب الجزء الفاعل من أفراد العائلة
إلى أن جاءت بداية التسعينات بانفتاح ديني وكان من الطبيعي بالنسبة لنشأتي الأصولية أن أفضل السلفية على تيار الدكتور البوطي الذي كان في أوجه... واعتبر البوطي خصما ومن باب أولى كفتارو وكل ما يمت للسلطة بصلة رغم أن السلفية التي يقودها في دمشق ناصر الدين الألباني "رغم ابتعاده إلى الأردن" لم تكن مسيسة ولم أحتك بالقراءات السياسية للسلفية وسواهم إلا مع ظهور كتاب الجهاد للدكتور البوطي وردود الفعل الغاضبة عليه التي رأيتها في أوضح صورها بتفنيد الدكتور مصطفى البغا لها الذي تزامن تفسيره "ربما بمحض الصدفة" لسورتي الأنعام والأنفال مع صدور كتاب الجهاد طبعا أكمل هذا بعض إجابات الشيخ عبد القادر أرناؤوط الذي أدركت بوضوح ما يميزه عن الشيخ ناصر وضياع منهجه بين السلطة التي بدأت تراه عدوا وطلابه الذين يتعلمون عليه ويدينون بالولاء للشيخ ناصر
تلى ذلك تقلب أستاذي نواف تكروري وهو من مبعدي مرج الزهور بين الدكتور وهبة الزحيلي وأخيه الدكتور محمد للإشراف على رسالة الدكتوراه بعنوان العلاقات العامة بين دار الحرب ودار الإسلام
في هذه الفترة بدأ احتكاكي بأفكار جودت سعيد واللا عنف ربما بفضل حسن الكردي وتزايد اللقاءات العامة التي جمعت جودت سعيد والبوطي
وبما أن عائلتي تذكر الكثير من الجدل العقيم بين محمد الجراح والدكتور مصطفى السباعي كصديقين للعائلة حول العروبة والإسلام وتحديد كل منهما.... كان واضحا بالنسبة لي تخبط الإخوان كفكر إسلامي سائد في إعطاء موقف واضح من قضية القومية

كل هذه الأمور دفعتني لطرح تساؤل حول دوافع الأشخاص ضمن المتاح وكيف ترسم هذه الدوافع قراءتهم وحتى تفسيرهم للإسلام
وساهم تعرفي على بعض لاعنفيي داريا من جهة وتعميق الصلة بالتيار الناصري من جهة أخرى في توضيح هذه التساؤلات في ذهني ولا أستطيع القول إنني تمكنت من التوصل لإجابات خصوصا وأن طرح مثل هذه الأمور قد يحمل قدرا لا يستهان به من الإساءة للبعض وقليلون جدا هم الذين حاورتهم بصراحة في هذا الموضوع

لفت صديق بعثي نظري إلى أن التيارات الدينية في سورية على اختلافها يقودها أشخاص ليسوا عربا لأن الحكومة لا يمكن أن تسمح بذلك من وجهة نظره... ولكنني أعتقد أن الأمر أعقد من ذلك بكثير
أحمد كفتارو والبوطي والألباني والأرناؤوطان والبغا وحتى جودت سعيد وخالص جلبي إن اعتبرناهما في هذا الإطار.. جميع هؤلاء من الطبيعي أن يشعروا بأزمة في الانتماء لأي تيار سياسي وسط طغيان القومية وفكرة العروبة وتلبس حتى التيارات الإسلامية السياسية بشيء منها
وكأفراد فاعلين نشأوا في بيئة متدينة أو محافظة فإن كلا منهم وجد إطار انتماء واسع أقنع نفسه به ثم تراكمت الفكرة إلى أن أصبحت مقنعة ولكنها حتما بالنسبة للجميع باستثناء اللاعنفيين لا تعنى بالسياسة إلا من باب تسيير الأمور مرحليا نحو الإنتماء الأوسع الذي يفترضه الشخص
تجد ذلك بوضوح في مقارنة بين البوطي في رسالته حقائق عن نشأة القومية التي يحلق فيها كما في كبرى اليقينيات وكتابه الجهاد الذي تشعر أنه يحاول إقناعك بما هو ليس مقتنعا به
بينما رأى آخرون أن تحقيق الإنتماء الإسلامي غير ممكن فاستبدلوه بانتماء إنساني كانت بوادره واضحة في الفكر الأوربي
وبين هذا وذاك اندفع ذوي الأصول الأوربية نحو انتماء إسلامي أصولي نظري كشرط لا بد منه لبناء انتماء إسلامي واقعي وأظن أن بيئتهم ودوافعهم التي جعلت من ثلاثتهم علماء الحديث المسلمين في النصف الثاني من القرن العشرين هي نفس الدوافع التي جعلت من نوابغ بلاد السند وما وراء النهر معظم علماء الحديث في عصر التدوين ولا يشذ عن ذلك الإمام أحمد رغم كونه شيباني إلا أنه ولد وعاش طفولته في شيراز

لعل هذه مجرد تساؤلات أطرحها دون أجوبة واضحة لمحاولة تلمس الخطوة التالية

حامد

Tuesday, July 24, 2007

تجربتي المنقضية مع حزب التحرير وتداعياتها - الجزء الأخير

الدولاب تسمية معروفة لكل السوريين بفضل الثقافة الإرهابية الرسمية، وكانت له رهبة وغموض أسود خاص به، ورغم معرفتي ويقيني التاميين أن المحقق يعرف تماما من يسأل عنهما و رغم يقيني أنني بإمكاني تجنب "الدولاب" فقط بإقراري بمعرفتهما قبل أن أغادر الغرفة! إلا أنني كنت أريد لقاء هذا الغول الغامض ومجابهته وجها لوجه، وهكذا لذت بالصمت منتظرا هذا الدولاب البعبع.



<>- حدثنا عن فترة اعتقالك، مع المجموعة التي اعتقلت معها، عددالمعتقلين، ظروف التحقيق، مكانه ومكان السجن، ظروف السجن، مدى احتكاكك بسجناء من خلفيات أخرى، علاقتك بأعضاء الحزب المعتقلين أثناء السجن، المحاكمة إن وجدت؟

اعتقلت بتاريخ 29/12/1999 حوالي العاشرة ليلا فيما يشبه الاختطاف الذي نعرفه من القصص والأفلام. يومها كانت مكالمة غريبة من والدتي قد أثارت لدي توجسا عميقا، فقد أخبرتني أن هناك من يدّعون أنهم أصدقائي من أيام خدمة العلم (أي منذ العام 1993 !!) يريدون رؤيتي وأنهم يحملون رسالة لي، وعندما سألت ما أسماؤهم وما أعمارهم تعجبت أكثر مما وصفت، ولما قلت لها أن تستلم الرسالة بدلا عني أخبروها أنني يجب أن أستلمها بيدي، هنا طلبت منها أن تحصل على رقم هاتف منهم علني أتصل بهم فيما بعد... وبعد قليل تلقيت اتصالا من أحدهم يقول لي أنه أبو ثائر (؟؟) وأنه يجب أن يسلمني الرسالة... وألح في معرفة عنوان منزلي بدقة إلا أنني استطعت إقناعه بأنني سألتقيه في مكان يسهل على كلينا الوصول إليه.

كل ماكان يجري كان يؤكد لي أن هناك أمرا مريبا وأن احتمال وشاية أو تقرير إلى الأجهزة القمعية ( ولا أقول الأمنية ) قد يكون وراء مسرحية بوليسية كهذه، وقد تأكدت من ذلك عندما استطعت الوصول إلى مكان اللقاء بحيث أرى من ينتظرني ولا يراني، وأبصرت الباص الصغير المحمل بالعناصر المسلحة وكذلك سيارة الضابط التي كان محركها يدور رغم أنوارها المطفأة، في هذه الأثناء وصل أخي إلى مكان يستطيع منه مراقبة مايحدث دون أن يتدخل كما طلبت منه عبر الهاتف قبل أن أغادر المنزل لأنني لم أكن مطمئنا لما قد يحدث في خضم كل هذا الغموض. ترددت قليلا وتباطأت خطواتي وكان بإمكاني التراجع والتواري في الظلام إلا أن الذي كان يحيرني هو التساؤل عما قد يكون السبب في هذا، ولإيماني الكبير أنه لا مبرر للقلق ويقيني أنني كنت أقول في العلن ما أضمره في نفسي قررت المتابعة ومواجهة الأمر كائنا ماكان بدلا من الهرب الذي يثبت علي أية تهمة وإن كانت كاذبة.

وما إن وصلت إلى الرجل الذي ينتظرني (علمت فيما بعد أنه عقيد في المخابرات الجوية اسمه الأول مطانيوس) ومددت يدي مصافحا ومعرفا بنفسي حتى تشبث بذراعي بشدة وأحاط بي العساكر تحسبا أن ألوذ بالفرار (؟!)

أخبرهم الضابط ألا يزعجونني -لأنني على مايبدو محترم، على حد تعبيره (!!)- وفعلا لم أتعرض لأي إزعاج!!، إلا أن هذا لم يغير من إجراءات تكبيل يدي خلف ظهري و وضع عصبة على عيني بالإضافة إلى إلزامي بخفض رأسي ليلامس ظهر الكرسي الأمامي.

وبعد أن أكد الضابط لأخي -الذي كانوا قد أمسكوا به- أنني مطلوب للسؤال فقط ولن يطول الوقت حتى أعود، انطلق الباص الصغير ( ندعوه سرفيس في سورية) في ظلمات تلك الليلة يقودني في رحلته نحو المجهول وقد تجاوزت الساعة الحادية عشرة ليلا و دماغي يكاد يتمزق لتسارع الأفكار وتزاحمها في محاولة اكتشاف ماذا؟ ومن؟ ولماذ؟ا وإلى أين؟

أما كيف جرت الأمور بعدها فهي مشابهة كثيرا لما كتب في هذا الشأن من قبل معتقلين سياسيين سابقين، شتائم وإهانات صفعات وخلافه، وهذا حصل بعد أن اجتزت مرحلة الديوان حيث سجلت كافة المعلومات عني وتم التقاط صور لي كما الأفلام الأمريكية وتم تجريدي من كل شيء ما عدا ملابسي وحذائي الذي نزعت سيوره تلبية لطلبهم. وبعد أن تم تفتيشي مرة ثانية، وضعت في زنزانة "إفرادية" تبلغ أبعادها (180X220سم) مع أربعة أشخاص آخرين كنت أتقاسم معهم طعام الإفطار والسحور (كنا في الأيام الأخيرة من رمضان) وعلمت منهم فيما بعد أنهم كانوا عناصر أمن تابعين للمخابرات الجوية موقوفين لمخالفات مسلكية بسيطة، هذا في اليوم الأول من اعتقالي... إذ بقيت أنتظر يومين أو أكثر قبل بداية التحقيق معي، وطيلة اليومين أو الثلاثة كنت مازلت لا أعلم سبب اعتقالي، قد أخبروني أثناءها أنني موجود في فرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية. وفيما عدا الاستقبال الذي قام به السجانون عندما دخلت مبنى السجن (الذي كان فوق الأرض) فإنني لم أتعرض لأية إساءات أخرى، ويبدو أن توجيها بعدم الإزعاج أو الاعتداء البدني على الموقوفين قد عمم عليهم.

في صباح أحد الأيام تم استدعائي للتحقيق، إذ تم فتح المزلاج المعدني في باب الزنزانة مصدرا صوتا كريها، و وقف السجان مخاطبا إياي طالبا مني التوجه إلى التحقيق: هيا بسرعة إلى التحقيق... إنزع حذاءك... لا تبق شيء على جسدك ماعدا البنطال! وهكذا خرجت عاري النصف الأعلى من جسدي (علمت من المعتقلين الآخرين أنني كنت محظوظا... ففي الفترة الأولى كان التحقيق يتم والسجين عار إلا من السروال الداخلي فقط) في ثاني أيام كانون الثاني البارد أخطو على الأرض الرطبة بجاربي الذين لم يخطر ببالي نزعهما، وأنا أحاول تلمس مواقع قدمي بجهد وحذر لأن السجان كان قد عصب عيني و وضع قيدا أحاديا في كلا معصمي الذين أمرت أن أضعهما وراء ظهري، ومن ثم كان يمسك بعضدي مرشدا لي في أي اتجاه أسير وأية درجات أهبط أو أصعد.

وأتت اللحظة التي كنت أنتظرها... السؤال الذي طرق أذناي مبددا كل حيرتي و تخبطي في معرفة سبب اعتقالي، فبعد أن قدمت نفسي يالطريقة التي تم تعليمي إياها "الموقوف همام يوسف سيّدي المحقق"... سألني الضابط (عرفت أنه كان برتبة عقيد فيما بعد، وأن اسمه "عامر العشي"): ما علاقتك بحزب التحرير؟

وتنفست الصعداء... و حدثت نفسي... "إذن هذا هو السبب... يا لهذه المشكلة التافهة... هذا أمر قديم ولاشك أنهم عندما يعرفون أنني منقطع عن الحزب منذ حوالي السنوات العشر، سيدركون تفاهة المسألة." أجبت: ليس لي علاقة معهم الآن... كان لي علاقة قديمة و انتهت. وتابع أسئلته مستفسرا عمن كان معي في الحلقة؟ وما كان اسم مدير الحلقة؟ وكيف ومتى كنا نجتمع؟ ماذا كنا نقرأ؟ وعن المبلغ المالي الذي كنت أسهم به للحزب...الخ، أسئلة تنم عن معرفة شاملة و مفصلة بدقائق الأمور، مما أكد لي احتمال صحة ظني أن أحدا من أفراد حلقتي القديمة قد تم القبض عليه لسبب أو لآخر، إلا أن هذا لم يزعجني كثيرا لأن جميع الذين كانوا معي في الحلقة كانوا قد أنهو علاقتهم بالحزب في الوقت ذاته وللأسباب ذاتها. كنت أجيب على أسئلة المحقق بالقدر الذي يكفيه و لا يورطني في أسئلة أخرى بشكل مقنع، فطوال الوقت كنت هادئا متوازنا و"متجاوبا" فما كان منه إلا أن قال لي: إذهب واكتب تقريرا بالذي قلته لي الآن.

وبعد أن كتبت التقرير الذي يبدأ بالعبارة: "تقرير الموقوف فلان الفلاني... سيّدي المحقق..." والذي لم يتجاوز نصف الصفحة (الأمر الذي أثار استغراب واستهجان السجان الذي حذرني من إغفال أي شيء؛) تم إيصاله إلى المحقق وتمت إعادتي إلى الزنزانة لأنتظر هناك يومين آخرين قبل استدعائي للتحقيق للمرة الثانية عصر أحد الأيام.

وفي هذه المرة خلعت جواربي لأنني لم أرد أن تتسخ بمياه الأمطار المختلطة بالأتربة والأوساخ... قادني السجان إلى غرفة تحقيق مختلفة بحسب تقديري (لأنني كنت معصوب العينين كالعادة،) وفي هذه المرة كان الأمر سريعا فبعد أن قدمت نفسي "الموقوف همّام يوسف سيّدي المحقق (كم كنت أكره كلمة "سيّدي" وكنت أبذل جهدا لقولها) سألني المحقق بشكل مباشر ومباغت من هما فلان وفلان؟!!

لحظتها شعرت أن جبلا قد انهار فوق رأسي وأن نارا قد اشتعلت في صدري وجففت الدماء في عروقي، وأدركت أن الأمر أكبر وأكثر اتساعا مما ظننت سابقاً، وأن الأمر سوف يستمر بالاتساع وسوف يصل إلى أشخاص ليس من المهم أو الأساسي بالنسبة للجهات الأمنية أن تعرفهم، وهم لن يقدموا أو يؤخروا في شيء بالإضافة إلى حقيقة أنهم أيضا كانوا قد أنهوا علاقتهم بالحزب بشكل مؤكد، وهم يعيشون حيواتهم بهدوء وسلام مع زوجاتهم وأبنائهم! كيف وصلت أسماؤهم إلى المحقق؟! من هو الذي تبرع بهذه الأسماء علما أنه من الممكن عدم ذكرها؟!! كيف سألتف حول الموضوع دون تعريض آخرين لهذا الذل وهذه الأساليب المتخلفة القميئة؟!!

كل هذا احتشد بتسارع تجاوز الزمن مخلفا احتقانا عالي الضغط في دماغي الذي غاب لفترة لا تزيد عن الثانيتين!! وهنا قررت أن أجيب بتساؤل علي أتيح لنفسي التفكير لثوان أخرى: من فلان وفلان سيدي؟ (وكان قد ذكر فقط اسميهما فقط دون لقبي عائلتيهما.) هنا انقلب عالمي رأسا على عقب، إذ ما أن سمع كلماتي حتى قام باستدعاء السجان بصوت الجرس الكريه وهو يقول: "ما بتعرف مين هنّن لكن... هلأ منشوف شلون رح خليك تعرف... خدو عالدولاب."

الدولاب تسمية معروفة لكل السوريين بفضل الثقافة الإرهابية الرسمية، وكانت له رهبة وغموض أسود خاص به، ورغم معرفتي ويقيني التاميين أن المحقق يعرف تماما من يسأل عنهما (وإلا كيف ذكرهما بهذا التحديد وسألني أنا عنهما، فهو لم يقل: هل تعرف...؟ بل قال: من هما... ؟ أي أنه كان يختبر مدى طواعيتي، وربما كان يريد زيادة تأكيد معلوماته -وهو ما تبين لي صحته فيما بعد- ويريد مني إقرار صحة ما لديه،) و رغم يقيني أنني بإمكاني تجنب "الدولاب" فقط بإقراري بمعرفتهما قبل أن أغادر الغرفة! إلا أنني كنت أريد لقاء هذا الغول الغامض ومجابهته وجها لوجه، وهكذا لذت بالصمت منتظرا هذا الدولاب البعبع.

لم يكن لقاءا جيدا... فبعد أن جرني السجان من عنقي خارجا، وقادني إلى زاوية ما لا أعرف مكانها أو جهتها، أمرني متلفظا بأشنع الألفاظ -التي تجود بها ألسنة أقذر مخيلة بشرية يمكن تخيلها- بالاستلقاء على بطني وثني ركبتيّ رافعا قدماي إلى أعلى بحيث يصبح باطنيهما متجها إلى أعلى، مما سهل عليه الانهيار (كانهيار الجبال) عليهما بعدد فقدت القدرة على إحصائه من الصواعق الخيزرانية التي كان أصوات حفيفها وهي تشق الهواء تختلط بأصواتها وهي تصطدم بلحم قدميي (العاريتين المبللتين بمياه الوحول) وتمتزج بصراخي و جعيري (لم أكن أتخيل أن الإنسان يمكن أي يصدر أصواتا كوحوش الغابات قبل ذلك،) ويتخلل ذلك كله أشنع الشتائم النابية التي لا يمكن لإنسان له أم أو إخوة أو أخوات أن يرضى بسماعها عن شخص آخر، فكيف عن نفسه؟!!

لم يكن دولابا كما تخيلته... إلا أنني بعد أن فقدت القدرة على إحصاء العدد، قررت الاستسلام فأخبرته باكيا (وهذا أمر يصعب الاعتراف به عادة) لشدة الألم أنني أعرف الشخصين الذين سُألت عنهما. فنهرني آمرا بالوقوف فلم أستطع وضع قدماي على الأرض بالكامل لشدة الألم، فسرت متباطئا أمشي على جانبي قدميّ كالكسيح عائدا إلى الزنزانة، فعلى مايبدو أن المهمة قد أنجزت... ولم يكن مهما أن يسمع الضابط تأكيدي بمعرفتهما في تلك اللحظة!

كتبت التقريرالمطلوب بأنني أعرف الشخصين المذكورين وذكرت أنني لا أعرف عنوانيهما الحاليين فنحن لم نلتق لسنوات، وقمت بتزويدهم بعنواني سكن أهلهما الذي أعرفه؛ وهكذا... وبعد أن مر علي يومين أو ثلاثة مع عناصر الأمن المسجونين، جاءني السجان في ليل أحد الأيام وفتح مزلاج الباب الحديدي قائلا: هيا بسرعة... إجلب أمتعتك وكل ما جئت به واخرج... قلت له: هل أخلع الحذاء؟ فأجاب بالنفي... واعترتني فرحة اجتاحتني كموجة دافئة محدثا نفسي: "أخيرا انتهى الكابوس... هاقد تم التحقق من الأمور وأنني منقطع عن الحزب لقناعة آمنت بها منذ سنوات عشر خلت، لقد أدركوا أنه من العبث محاسبة شخص آخر مختلف تماما عن ذلك الشاب الصغير، فالعقاب الرجعي الأثر أمر يكاد يكون نكته في حد ذاته... وهنا سألت السجان إن كان بإمكاني مصافحة زملاء الزنزانة مودعا، فابتسم بامتعاض: لا مانع... هيا أسرع" ففعلت ذلك وحملت معطفي الشتوي وسرت أمامه (وهو إجراء أمني منعا لاحتمال تعرض السجانين لاعتداء) متجها نحو باب مبنى الزنازين الثقيل، وتوقفت هناك منتظرا أن يفتح على حريتي الحبيبة، فما كان منه إلا أن أشار إلي قائلا: إلى أين...؟ تابع مسيرك تابع... قف أمام ذلك الباب، مشيرا إلى باب حديدي عريض إلى يساري، وقفت هناك ريثما يفتح الباب على ظلام غطى أشباح أجساد بشرية تصطف بمحاذاة الجدار وظهورها بمواجهتنا... كنت على درجة من الذهول والخيبة سمرتني في مكاني ما حدا به أن يدفعني إلى الداخل مغلقا الباب ورائي بصوت المزلاج الكريه، بعد أن خطوت خطوة واحدة إلى الأمام مما جعلني في وسط الغرفة تماما. بدأت الهامات البشرية تستدير ببطأ موجهة أنظارها إلي واقتربت الوجوه نحو وجهي بعيون يملؤها الفضول والعطش.

كانت تلك زنزانة "جماعية" تحوي 21 نزيلاً يتقاسمون مساحة تتجاوز الأمتار الستة بقليل فأبعادها كانت (220X320 سم) تفترش أرضها البطانيات المهترئة، وينيرها ضوء أصفر للمبة زجاجية معلقة عل الجدار قرب السقف... ذلك كان منزلي لشهور ثلاثة.

يمر الوقت بتسارعات مختلفة بل ومتناقضة احيانا، إذ يطير الوقت بسرعة البرق بعد الساعة الثامنة أو التاسعة مساءاً وهكذا إلى بزوغ الصباح. ثم يتباطأ بشدة مميتة منذ الاستيقاظ حوالي السابعة والنصف صباحا -موعد بدأ الدوام الرسمي وممارسة الضباط والعساكر مهامهم الرسمية الوظيفية بجلد المواطنين المعتقلين أو تعذيبهم والتحقيق معهم- إلى أن ينتصف النهار ويهل وقت الغداء في االثانية عشرة والنصف أو الواحدة؛ خلال هذه الفترة تكون أعصاب المعتقلين في الزنازين من التوتر والتحفز والهلع بحيث يمكن أن تتقصف كما لو أنها أغصان شجرة جافة.

ويزيد من القهر المعدني المصمت للثواني المتعمدة البطأ، تلك الصرخات المترعة بالألم والرعب التي يطلقها المساكين الجدد الذين كانوا يصلون على فترات، أثناء اجتيازهم جحيم الاعترافات الأولى، في مواجهة الدولاب أو وسائل وحشية أخرى لكل حسب عتبة ألمه قبل القبول بسطوة الألم الخبيثة على الأبدان والأرواح.

وما أن يبدأ توزيع طعام الغداء حتى تأخذ النفوس بالهدوء لأن التحقيق وما يلازمه من تعذيب وإهانات يتوقف كي يتمكن الجميع من تناول طعامهم! أي حوالي الساعات الثلاث أو الأربع.

كان الغداء يعد (في الغالب) في مطابخ القطعة العسكرية التابعة للمخابرات الجوية في مطار المزة العسكري حيث كان فرع التحقيق والمداهمة أيضا. ولم تكن الكميات كافية لجميع المعتقلين وغالبا ما كانت السرقات تؤدي إلى إنقاص كميات الخبز من ثلاثة أرغفة إلى رغيفين فقط للفرد، وينطبق الأمر ذاته على الزيتون والحلاوة ومربى المشمش، وأذكر على سبيل المثال كيف كانت حصة 20 رجلا من الحلاوة المخصصة لطعام الإفطار (كانت حصص الإفطار توزع في الليلة الأسبق) لا تكاد تبلغ قبضة اليد في أحد الأيام، أما الزيتون فكان نصيب المعتقل منا يتراوح مابين حبتي زيتون إلى سبع حبات في أفضل الأحوال، وكثيرا ما كنا نأكل قشور البرتقال ونتقاسمها لشدة الجوع عندما ينوبنا بعض حبات البرتقال أو الـيوسف أفندي (ماندارين.)

بعد الغداء، أي في فترة النوبة المسائية، إلى مابعد التاسعة بقليل يعود الوقت لتباطؤه القاتل المعتاد بسبب عودة عجلة التحقيق الروتينية للدوران من جديد، أي التعذيب والصراخ والضرب والشتائم والاستغاثات المفتته للأعصاب

إضافة إلى هذه العجلة الجهنمية التي تقرض المشاعر والأحاسيس وتتلاعب بسلامة العقول وتوازنها بسبب تكرارها اليومي الحتمي، من توتر إلى راحة فشد عصبي إلى استرخاء يليه ضغط، خوف وهلع يليه لحظات من الفرج تليها ساعات من الرعب والتحفز ثم النوم القلق كالسردين (ليس مجازا بل واقعا حرفيا) إلى الاستيقاظ على صوت السجان الذي يفتح الباب بقوة مصدرا صوتا إرهابيا ممقوتا ومناديا على اسم مسكين من الخراف التي غلب على أمرها؛ إضافة لكل ذلك كنا نعاني من معضلات ثلاث في فرع التحقيق:

مشكلة النوم وانتشار القمل والجرب (نظرا للتكدس وحقيقة بقائنا بلا استحمام لفترة خمسة أسابيع على الأقل)
الخروج للتغوط أو التبول (نتيجة للعدد الكبير من المعتقلين و وجود فقط أربعة كبائن تغوط للجميع)
قلة الطعام ونوعيته السيئة (العديد من المعتقلين فقدوا من 10 – 20 كغ من وزنهم)

ورغم انتقالي مع اثنين آخرين من الزنزانة الجماعية (بناءا على طلبنا) بعد حوالي الثلاثة أشهر من العيش فيها إلى زنزانة إفرادية، إلا أن المشاكل استمرت كما هي، فقد انضممنا إلى نزيل موجود قبلنا في الزنزانة واستمرت إضافة معتقلين آخرين إلى أن وصلنا في إحدى الفترات إلى سبع أشخاص في مكان مخصص لاثنين بالأكثر! وكنا ننتظر اليوم الذي يتم نقلنا فيه إلى سجن رسمي كصيدنايا، وهو ما حدث فعلا في صباح 29/5/2000.

مرحلة صيدنايا تختلف جذريا عن مرحلة التحقيق من حيث سعة المكان كمية الطعام والنظافة الشخصية، بالإضافة إلى أمر مهم جدا هو انتهاء الشد النفسي الناتج عن كل ما كانت تثيره حفلات التعذيب من رعب وقلق وجوديين، إلا أنني أستثني منها فترة الأسبوعين الأولين حيث شهدنا فيها فيضانا من الشتائم المقذعة والإهانات الجسدية والمعنوية والضرب العنيف المباشر من صفعات و ركلات و لكمات (بقيت لمدة شهرين لا أستطيع الاستلقاء على جانبي الأيمن بعد أن لكمني المدعو "فاطر" على أضلاع صدري التي أظنها كسرت في تلك الحادثة.) سبب ذلك أن إدارة السجن استقبلتنا على أننا عملاء وجواسيس للعدو الصهيوني وأننا منتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين!! ولم يتم إعلامهم بحقيقة أمرنا وأننا كنا بنسبة 50-60% من الجامعيين و حتى من حاملي شهادات عليا في الجراحة و الهندسات والصيدلة... الخ، وكنا نمتنع عن إخبار عناصر الشرطة العسكرية بذلك تجنبا لزيادة الإهانات والقهر عندما يعلمون أننا تجاوزنا البكالوريا بنجاح!!

تغير هذا الوضع بعد قدوم اللجنة الأمنية التي قابلت عدة أفراد رشحوا لذلك، حيث أعلموا أعضاء اللجنة أننا ( حوالي الـ 250- 300 ) موقوفون على ذمة حزب التحرير الذي لا علاقة له بالإخوان المسلمين أو أعمال عنف مسلحة أو غير ذلك (لم يتم العثور على قطعة سلاح واحدة لدى أي من المعتقلين الذين قارب عددهم الـ 450 توزعت أماكن احتجازهم ما بين فروع التحقيق والمنطقة وإدارة المخابرات الجوية.) بعد هذا اللقاء تحول وضعنا من موقوفين على ذمة التحقيق إلى سجناء رسميين! فقط بقرار من اللجنة وليس نتيجة محاكمة! وهكذا منحنا كل ما يمنح للسجين الرسمي ورفعت عنا المعاملة المتوحشة بعد حوالي الأسابيع الثلاثة. هذا كان يعني فتح المهاجع العشرة التي يتألف منها الجناح ( - أ- يسار، الطابق 3) على بعضها طيلة النهار، الحصول على المشتريات و فترات التشميس في الباحة وقراءة الجرائد الرسمية وبعض الكتب المتوفرة.)

المحكمة
تمت جدولة أسمائنا للمثول أمام محكمة أمن الدولة على دفعات وقد كانت المحاكمات تسير على نظام 3 مراحل التحقيق، توجيه الاتهام، ثم جلسة النطق بالحكم. تم عرض الجميع على المحكمة بالنسبة للمرحلة الأولى، و تمت متابعة المرحلة الثانية مع أعداد قليلة ولكن لم تكتمل بالنسبة للجميع بسبب صدور عفو بشار الأسد الشهير بتاريخ 16/11/2000، والذي عفا بموجبه عمن قد تجاوزوا فترات أحكامهم المفترضة! ( إذ كان من المنتظر الحكم على كل من تشبه حاله حالي -أي الغير حزبيين- بستة أشهر بتهمة كتمان المعلومات!) وهكذا أطلق سراحي بعد مرور العام تقريبا على اعتقالي.

الاحتكاك مع بقية المعتقلين
مما لفت انتباهي من خلال احتكاكي مع معتقلي حزب التحرير -الراهنين حينئذ- أن السوية الثقافية الحزبية وسوية المحاكمات العقلية العلمية والمحاججات المنطقية قد انخفضت بشكل ملحوظ عما كنت عرفته قبل تسعة أعوام، وقد عزوت هذا إلى حقيقة اعتقال عدد لا بأس به من أعضاء الحزب المهمين في بداية التسعينات وانسحاب عدد ملحوظ من الدارسين في ذلك الوقت، مما دفع الحزب حينئذ إلى انتقاء قيادات بديلة بشكل إسعافي لم يتوخ الحرص على سوية ثقافية أو علمية عالية كما هو المألوف عادة، مما أدى إلى تحويل نشاط الحزب بشكل أكثر مما مضى إلى زيادة الانتشار الأفقي بتسارع كبير عاد بأثر سلبي على سوية التحصيل والبناء الثقافي الفردي، أي بكلام آخر أن الحزب عمل بشكل واضح على زيادة أعداد الموالين له على حساب إعداد نخبة قيادية راسخة، الأمر الذي كان موجودا دائما ضمن النهج العملي للحزب إلا أنه لم يسبق له أن كان على الشكل المرضي الذي خبرته.

وأيضا قد يعود تقييمي السابق للسوية المتواضعة لأعضاء حزب التحرير ولاية سورية إلى حقيقة استمراري بالاحتكاك أكثر وأكثر بعالم الفكر ووجهات النظر والتحاليل المختلفة للخلل الذي يعاني منه العالم الإسلامي، والانفتاح الفكري الكبير على جميع الطروحات المتواجدة على الساحة والتي تنوعت مابين الإسلامي و اللا إسلامي والليبرالي والمحافظ والعلماني.... الخ.

نتيجة لكل ما سبق فقد كان الاحتكاك مع الحزب يتراوح مابين النقاش الفكري للجذور المفهومية التي بنى عليها الحزب هيكله الفكري، وما بين المشاحنات الكلامية والمواقف المتصلبة العدائية التي تولدت نتيجة تصنيفي مع مجموعة من الأشخاص على أننا نشكل خطرا فكريا ويجب نبذنا! إلا أن هذه الفترة أتاحت لي اختبار جميع المفاهيم التي كنت أحملها كمسلم "لا عنفي" والتي كنت أعيشها و أطورها بناءا على ما اكتسبته من المفكر جودت سعيد ومالك بن نبي بشكل أساسي وفكر المقاومة المدنية بشكل عام، وكان من نتيجة ممارستي لحياتي وسلوكياتي بناءا على هذه القناعات أنني تركت السجن وقد اكتسبت من الأصدقاء والمتعاطفين العدد الكثير رغم إدراكهم بشكل واضح لا يخالطه شك أنني مختلف عنهم.

الشيء المهم الذي لا يجب أن يتم تناسيه هو وجود براعم تيار إسلامي تنويري متحرر قادر على التواصل مع الأطراف جميعها، الإسلامية وغير الإسلامية التي تنشط في الساحة السورية والعربية بشكل أوسع، تيار يعتقد أن «ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأما الزبد فيذهب جفاءا» كقاعدة تحكم جميع مشاريع النهضة والإصلاح أو التغيير، تيار يعتقد أن «العدل» و «النفعية» هي المقدسة وليس الأشخاص الكلمات أو الحروف بحد ذاتها. هؤلاء كانوا بعض الذين التقيت بهم هناك.

وللمفارقة بعضهم أيضا كان من «التيارات العلمانية» الذين كنت أستطيع وأستمتع بالحوار معهم على عكس معظم من كانوا حولي من المنتمين إلى التيارات الإسلامية التي تحجرت على تقديسها لقادتها أو مشايخها بشكل أعمى ومنزه عن النقد الذاتي الضروري لأي حركة تتوخى البقاء والتطور، بمن فيهم حزب التحرير الذي قدس النبهاني لشخصه لا لإبداعه و قدرته على الاجتهاد، والله أعلم.


<>- كيف اختلف همّام ما بعد الاعتقال عنه ما قبل الاعتقال؟ وكيف تقيم تلك التجربة بمجملها بعد هذه السنوات على مرورها؟

لا أظن أن هناك تغيرا كبيرا حصل لي إلا من باب تقديري للحياة بأبسط جوانبها وتفاصيلها التي غالبا ما نمر عليها كما لوأنها أمرا اعتياديا. إن مراقبة السماء لحظة غروب الشمس أمر لن يشعر الإنسان بجماله مالم يحرم منه أو يراه من خلال قضبان الأسر، وتصبح قدرتنا على التغوط أو التبول لحظة حاجتنا له أمر غير مفروغ منه كما نعتقد.

ما يجب أن نعرفه عن السجين والمعزول في زنزانة إفرادية على وجه الخصوص هو أنه يموت في اليوم الواحد بعدد المرات التي يوقظه بها الوعي المفاجئ على حقيقة قبوعه ما بين أربعة جدران صماء لم ولا ولن تتغير مهما طال زمان بقائه بين جوانحها.

ولا أدري في الحقيقة أين يمكن أن أضع تجربة إعتقالي الماضية على وجه الدقة، لكن ما أعرفه هو أن الإنسان مستعد لأن يدفع ثمن أفكاره وقناعاته التي يحملها مهما بلغت هذه الأثمان، ويستوي في هذا المنتمين إلى التيارات جميعها على اختلافها بل تناقضها أحيانا. إلا أن الاطمئنان الذي يحمله "اللا عنفي" في داخله أمر لا يقدر بثمن. إن قدرتنا على كسب ثقة من نختلف معه بنا وبمصداقيتنا هي أحد أهم المقاييس لنجاح الحراك المدني الذي نعتقد بصحة توجهه.

تجربة الاعتقال والسجن لم تكن خيارا بل قضاءا من الله، وأنا إن لم أستطع إدراك تتالياتها أو ما سينبني عليها مستقبلا فهذا لم يمنعني من عيشها بالشكل الذي ارتضيته لنفسي، إلا أنني لا أرغب بتكرارها ثانية وهذا أمر فطري مفروغ منه.

<>- إذا قررت الانتساب لحزب سياسي الآن، فهل سيكون حزب ديني؟ ولماذا؟ وكيف تنظر الآن إلى تجربة الإسلام السياسي؟

إن كان هناك من حزب أرتضي الانتماء إليه فسيكون حزبا قريبا من نموذج حزب العدالة والتنمية التركي. إن طبيعة إيماني بالإسلام كفلسفة حياة وكون لا تخلق تضاربا أو تناقضا ما بين الإلهي والموضوعي وهما بالنسبة لي وجهان لعملة واحدة. إن الإيمان بالله بالنسبة لي يعني الإيمان بالحرية كشرط لازم غير كافي للتنمية والعطاء والعدالة.

ما يصنف اليوم على أنه إسلام سياسي هو تعبير موضوعي عن فكر وثقافة موجودان موضوعيا ويجب الاعتراف بهما، وكان يمكن لتيارات الإسلام السياسي الحالية أن تجد نفسها على المحك إن أتيح لها الوجود والحراك إلى جانب مجموع التيارات الأخرى العلمانية الليبرالية اليسارية ....الخ، إلا أن القمع والمنع والإقصاء سيؤديان في النهاية إلى تفجر عشوائي مدمر سيأخذ معه الأخضر واليابس. ومن غير شك أن تصلب بعض تيارات الإسلام السياسي في رفضها للعملية الديموقراطية من حيث المبدأ كحزب التحرير على سبيل المثال لا الحصر، تخلق لنفسها كابحا ذاتيا سيزيد من احتقانها الداخلي وبالتالي يزيد من تشنجها وتمسكها الشديد بمواقفها الإقصائية المتطرفة للآخر المختلف.

ويتضاعف القلق من كوارث تفكك بل اصطراع تناقضات مجتمعيه داخلية؛ إن تلاقت تطلعات الشريحة الأكبر من شرائح المجتمع السوري، وأقصد بها الطائفة السنية تحديدا، للحرية والعدالة والتنمية والرخاء، مع الوعود المعسولة التي تبثها اتجاهات سياسية تنتمي إلى الخلفية الدينية المشتركة ذاتها دون أسس موضوعية منطقية قابلة للتحقيق، وخصوصا في أجواء القمع والقهر وكم الأفواه والآمال وانعدام فرص التعبير عن الذات في جو من الحريات الأساسية العامة. هذا اللقاء ما بين إحباطات مكبوته وبين تشدد وتشنج إتجاهات إسلام سياسي إقصائية هو الأمر المخيف والمحذور. والوضع السياسي القائم من أبعد ما يكون عن تقديم حل ناجع إن لم نقل أنه يسهم بشكل مثابر على تكريس هذا التأزم ومن ثم التهديد بتفجيره بغباء سياسي يتناسى أن قوة الانفجار ستطيح بالجميع بمن فيهم من سيحرر عتلة التفجير.

ليس كون الأحزاب دينية أو لا دينية هو المشكلة، الخطر يكمن في الثقافة الإقصائية الشمولية التي تعاني منها المذاهب أو الاتجاهات أو الجماعات و الطوائف و الحركات و حتى العلمانية منها.

Friday, June 22, 2007

تجربتي المنقضية مع حزب التحرير وتداعياتها - الجزء الثاني

وكان لطروحات جودت سعيد ومالك بن نبي ومفكرين آخرين كمحمد عابد الجابري ومحمد شحرور ومعظم المفكرين الذين كانوا يشيرون إلى أن الخلل حقيقة ليس في السلطة السياسية من حيث الجذر، بل بالأفكار والعقل المريضين الذين سينتجا مرة بعد الأخرى جميع الأمراض التي نعاني منه كمجتمعات مسلمة، بما فيها الدكتاتورية والفرقة الداخلية والقابلية للاستعمار الداخلي والخارجي الأثر الكبير على تفكيري الجاد بالانسحاب


<>- كيف كنت تنظر للأحزاب العلمانية (التي كان معظم كوادرها في السجن) في ذلك الوقت؟ هل تسنى لك أي احتكاك معها؟

بدابة سأبني على أن المقصود بالعلمانية هو المفهوم الممتد من الفصل مابين الدين والحياة إلى إنكار الدين بالدرجة القصوى. على أقل تقدير كانت الأحزاب العلمانية –الاشتراكية والشيوعية- مرفوضة إن لم أقل محاربة من الأوساط والاتجاهات الإسلامية. وأذكر هنا استغرابا كان موجودا (وربما هو موجود الآن لدى الكثيرين) أن هذه الأحزاب تخاطب وتحاول أن تفرض على مجتمعات دينية خطاباً ومشروعا سياسيا غريبا عنها بل هو أقرب إلى عملية زراعة كبد بقرة في جسد قطة.

بالإضافة إلى القناعة الشخصية تلك آنذاك، فإن ما طرحه فكر حزب التحرير حول المبدأين الرأسمالي والشيوعي (ضمنا الاشتراكي) هو وصف لمدى اختلاف وفشل وخطأ مقاربات هذين الاتجاهين لأسئلة العقدة الكبرى: من أين؟ ولماذا؟ وإلى أين؟ أو التساؤلات الإنسانية عن الإنسان، الكون والحياة؛ على عكس الدين الإسلامي الذي (بناءا على طرح الحزب) استطاع الإجابة على تلك الأسئلة بشكل يرضي ويروي عطش هذه التساؤلات بشكل فطري.

أيضا يضاف إلى ذلك مسألة الارتباطات الخارجية لتلك الأحزاب بحكم نشأة الفكر العلماني ككل، حيث استخدم الحزب هذه الارتباطات لتقويض شرعية هذه الأحزاب وبالتالي إقصاءها من التواجد في ساحة العمل الإجتماعي السياسي بشكل جذري في أدبياته، ولا يخفي حزب التحرير رفضه لوجود الأحزاب العلمانية ضمن جسد "الدولة الإسلامية" حال تحققها، فالآخر بالنسبة له هو الآخر المنبني على الأساس الديني الإسلامي فقط.

ومن المفيد ذكره هنا أنني لم يسبق لي قبل معرفتي للحزب أو أثناءها أن التقيت بمن يحمل أفكارا علمانية في إطار جهود تنظيمية أو من يدعو إليها، فأستطيع القول أنه لم يتسن لي الاحتكاك بأحزاب علمانية مطلقا.


<>- هل من الممكن تزويدي بوصف مكثف لتجربتك في الحزب؟ ما ذا كان دورك، كيف كنت تنظر إلى ذلك؟ إلى أي مدى وجدت نفسك والتقت قناعاتك مع فكر هذا الحزب؟


تكاد تجربتي في الحزب تقتصر على القراءة ومطالعة الأنباء وتحليلها بالإضافة إلى الدراسة المنتظمة لكتب الحزب ضمن الحلقة المعدة لذلك، وكنت قارئا نهما فما أن يصلني كتاب من كتب الحزب (التي كنا نشتريها بمبالغ معقولة) حتى أبادر إلى قراءته ملتهما إياه في أيام معدودة، وكذلك الأمر بالنسبة لمجلة عنوانها "الوعي" كانت تصدر غالبا في لبنان بجهود "الشباب" (كما كنا أحيانا نطلق على أعضاء حزب التحرير) اللبنانيين، معظم هذه المطبوعات كانت تصلنا منسوخة على الناسخة الضوئية.

إضافة إلى ما سبق ونتيجة لحماستي الشديدة للحزب وأفكاره التي كانت تتمتع بترابط منطقي وحجة بليغة قويين، كنت أحاول بث هذه الأفكار فيمن حولي من الأصدقاء والمعارف، دون التصريح بمصدرها إلا لمن كنت واثقا من رجاحتهم وأمانتهم، وهؤلاء كنت أحاول جذبهم للانخراط بشكل عملي في دراسة كتب الحزب ومنهاجه كما كنت أفعل أنا نفسي -على مبدأ "أحب لأخيك ما تحب لنفسك."

لم يكن هناك أنشطة تربوية خاصة يقوم بها الحزب، وهو يرفض فكرة الرعاية الفردية وبناء الفرد الأخلاقي والنفسي بجهد يقوم عليه الحزب، ويفضل أن يقوم الفرد نفسه بهذا الجهد بشكل ذاتي لتزكية نفسه، وهكذا فقد كان الاحتكاك مع الحزب هو من خلال حلقات الدراسة تلك ومناقشة أفكار الحزب ومنهاجه (الذي يركز بشكل أكبر على تنمية الوعي والولاء السياسي لهدف استئناف الحياة الإسلامية في مجتمع تحكمه الدولة الإسلامية،) بالإضافة إلى متابعة الأحداث الجارية عالميا و تأثيراتها المحلية. لاشك أن هذا التركيز على الحس السياسي والقدرة على الاستقراء السياسي قد أفادت في تنمية هذا الجانب عند كل المنتمين أو الحاملين لفكر الحزب، إلا أن هذا لم يلب بشكل كاف رغبة العديد ممن عرفتهم خلال تلك الفترة بإشباع الحاجة إلى الروحانيات والأنشطة التي تغذي النفس بالطاقة اللازمة.

أنا بحكم وضعي كـ "دارس" لم أكن مكلفا بأي نشاط خارج عن الدراسة بحد ذاتها، فلم أكن أحمل المنشورات السياسية أوالبيانات لتوزيعها. وكما قلت سابقا أنا لم أكن أعتبر حزبيا بالمعنى التنظيمي، وهكذا فلم يكن من حق الحزب أن يطلب مني القيام بأي نشاط، أما حقيقة حملي لأفكار الحزب و الدعوة لها ومناقشتها و نشرها بين من كنت أثق بهم من الأصدقاء أو الأقارب فكان بمحض اختياري وحريتي الشخصية.


<>- هل غادرت الحزب قبل أو بعد الاعتقال؟ كيف، ولماذا؟

الحقيقة لا أدري إن كان إنهاء علاقتي الدراسية مع الحزب يمكن وصفها على أنها مغادرة، فحقيقة الأمر أن صلتي بالحزب –رغم إيماني وحماستي له ولأفكاره وأهدافه في البداية- لم تتعد المرحلة التي يطلق عليها المرحلة التثقيفية وخلالها لايعتبر الشخص –رجلا أو امرأة بالمناسبة- حزبيا ويطلق عليه تسمية "دارس،" فمن الناحية التنظيمية هذا الشخص مازال غير منتسب رسميا إلى الحزب ويحق له أن ينسحب في أي لحظة يراها هو مناسبة، ولم يسبق أن كان لانسحابات كهذه تداعيات أو إشكاليات على ما أعلم.

أما إنهاء علاقتي مع الحزب فكانت في عام 1991، إذ أبلغت "مدير الحلقة" (الشخص الذي يقوم على تثقيف الدارسين) آنذاك بقراري إنهاء الصلة، طبعا كان هناك اضطراب بسيط من طرفه إلا أنه كان نوعا ما يتوقع هذا الأمر، خاصة وأن نقاشات كثيرة حول أفكار تأسيسية لحزب التحرير كانت تجري بشكل متكرر، وكنت أعبر فيها عن تغير قناعتي تجاهها؛ وأذكر أنه هيأ للقاء مع شخص آخر لم يسبق لي أن التقيته قبل ذلك في محاولة لمناقشة قراري ومحاولة إقناعي بالعدول عنه. هذا اللقاء لم يغير أو يؤثر على عزمي بإنهاء العلاقة، فقد كانت الأفكار التي جدّتْ لدي و كنت أحملها وأومن بها بما يتعلق بالتغيير الاجتماعي والسياسي، لا يمكن لها أن تتوافق أو تتعايش مع أفكار صميمية و تأسيسية يعيشها الحزب بشكل عملاني.

بعد أن شرحت لممثلي الحزب موقفي وأفكاري الجديدة التي أومن بها شعرا بجدية وصدق خطابي لهما، واستطعت أن أبين لهما حقيقة امتناني واعترافي بالفضل لحزب التحرير في توسيع أفق تفكيري و تزويدي بمفاهميم وإضاءة زوايا من العمل والحراك الاجتماعي السياسي لم يكن لي أن أصل إليها بمفردي، إلا أن هذا لا يعني استمرار صلتي بهم فالأمر بالنسبة لي هو مفترق طريق. عندها قال لي: حسنا... يبدو أن قرارك نهائي، على كل حال... أدعُ الله لنا بالتوفيق؟ فأجبته: من طرفي سأدعو لكم... لكن ظني أن الله لن يوفقكم. وصافحتهما مودعاً. كان هذا قبل اعتقالي بحوالي تسع سنوات على ذمة تلك الصلة القديمة!!

نأتي الآن للإجابة عن لماذا؛ بشكل أساسي و دون الخوض في التفاصيل، كان الشيئين أو المفهومين الأساسيين الذين تغيرت قناعتي تجاههما ومن ثم بناءا عليه قراري بالانسحاب هما "العمل السري" وما يطلق عليه "طلب النصرة،" وقد كان لاحتكاكي و متابعتي للمفكر جودت سعيد و طروحاته الأثر الأساسي في تغيير هذه القناعات، بالإضافة إلى إدراكي لحقيقة أن تغيير الواقع الذي نعمل على إصلاحه وتحسينه لا يأتي بتغيير شكل السلطة أو بالإتيان إلى رأس الهرم وتغييره على أمل أن تعكس القاعدة هذا التغير بشكل أوتوماتيكي، وكان لطروحات جودت سعيد ومالك بن نبي ومفكرين آخرين كمحمد عابد الجابري ومحمد شحرور ومعظم المفكرين الذين كانوا يشيرون إلى أن الخلل حقيقة ليس في السلطة السياسية من حيث الجذر، بل بالأفكار والعقل المريضين الذين سينتجا مرة بعد الأخرى جميع الأمراض التي نعاني منه كمجتمعات مسلمة، بما فيها الدكتاتورية والفرقة الداخلية والقابلية للاستعمار الداخلي والخارجي الأثر الكبير على تفكيري الجاد بالانسحاب. ووصلت إلى النتيجة التي تقول أن الخلل هو في العقل و بنية العقل لدى الأمة، أما السلطة السياسية فما هي إلا انعكاس لما تحمله الأمة وثقافتها من أفكار ومن ثم تعكسها طبيعة هذه السلطة مجددا على الأمة، ورغم أن الجدل (الديالكتيك) موجود ما بين قطبي الأمة و السلطة، إلا أن التغيير الجوهري يجب أن يحدث في الأمة.

والحال كذلك فإن "طلب النصرة" الذي يمكن أن أشرحه ببساطة بأنه طلب دعم مراكز القوة في الهيكل السياسي للمجتمع الذي ينشط به الحزب، وهو بناءا على قناعة الحزب يكمن في القوة العسكرية للجيش وجنرالاته في معظم البلدان التي يتواجد بها الحزب؛ وهذا يعني بساطة أن الحزب يهدف و ينشط عمليا –رغم أن الحزب يولي أهمية لعملية تثقيف الأمة- في طلب السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية، أي احتمال العنف الداخلي موجود بشكل كبير ومتوقع، وهذا كان مرفوضا بالنسبة لي، لأنه في النهاية يعيد تكرار مأساة فرض أنماط الأفكار والحياة على المجتمع بقوة السلاح والعسكر لا بقوة الأفكار والمباديء وهذا سبيله إلى الزوال.

وكل ما سبق يترافق مع "العمل السري" بشكل لازم، الأمر الذي تعيه السلطة الحاكمة بشكل متيقظ دائم التحفز ، لا بل و تستخدمه للصيد في المياه العكرة ففي الظلام يسهل اتهام أي ناشط بجرائم ضد الدولة والمجتمع دون أن يكون له القدرة أو السند الاجتماعي الذي يعينه على ضحد ما يمكن أن ينسب إليه، ويحرمه من احتواء المجتمع له ولنشاطه بما يضمن استمرار تأثره به، إضافة أنه قد سبق لمحاولات إنقلابية قام بها الحزب أن باءت بالفشل باعترافه، وهذا كان طريقا مسدودا بل جدارا أصر الحزب على أن يحطم نفسه عليه مرة تلو المرة دون جدوى!

وأذكر من مقابلتي الأخيرة لعضو حزب التحرير، عندما سألني إن كان هناك أمر يمكن أن يقوم به الحزب ويجعلني أعدل عن قراري يالانسحاب؟ أنني أجبته: نعم... هناك، إن أعلن حزب التحرير في جميع الوسائل الإعلامية الممكنة أنه تخلى عن طلب السلطة وأنه سيخرج من العمل السري إلى العلنية فسأعود عن قراري! مقتل حزب التحرير هو في طلب السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية أي العنف، وفي العمل السري. وأنا لم أكن مستعدا للاستمرار بالسير في طريق نهايته الفشل حتى إن واتته رياح ما ونجح!

Saturday, June 16, 2007

تجربتي المنقضية مع حزب التحرير وتداعياتها - الجزء الأول

قراءة في صفحات الذاكرة ...لقاء مع معتقل سياسي سابق

قليلة هي القصص الواقعية التي نسمعها أو نطالعها حول ناشطين سوريين سبق لهم أن خبروا تجربة الاعتقال السياسي المترتب على انتمائهم لتيارات إسلام سياسي محظورة كما هي الحال بالنسبة لحزب التحرير. ورغم أن من نلتقيه اليوم يرفض وضع تجربته الفكرية والثقافية الحراكية وتأطيرها وتلوينها بلون أحادي (حزب التحرير) خصوصا عندما نعلم أن فترة احتكاكه مع الحزب المذكور تعد من الخبرات القديمة والمنتهية عمليا بالنسبة له؛ إلا أن تسليط ضوء النقد على تجربة كتلك بسلبياتها وإيجابياتها هو أمر نحتاجه لمعرفة المزيد عن آليات وأنماط ثقافية واجتماعية وما رافقها من ظروف موضوعية خارجية أدت وربما ما تزال حتى الساعة إلى ازدياد أعداد المنخرطين أو المستطلعين للالتحاق بصفوف تيارات الإسلام السياسي المتنوعة والمتفاوتة، والتي يتنامى تأثيرها و تواجدها بشكل محسوس في أوساط المجتمعات العربية المتدينة، وخصوصا بعد أن وصلت خطابات وشعارات بقية التيارات إلى حالة من العطالة إن لم نقل العقم بل و حتى في بعض الحالات إلى الخيانة التامة لنفس المبادئ التي بنت خطابها وأرضيتها الجماهيرية عليها.

همّام يوسف هو صاحب القصة التي سنتابع بعض تفاصيلها هنا، ولا يخالطنا الشك أن ما طرحناه من أسئلة ليس الغرض منه اختزاله إلى أبعاد محدودة تفرضها طبيعة الأسئلة، بقدر ما هي بوابة للولوج إلى "كون" هذا الفرد وتقاطعات عالمه مع العالم الخارجي بل مع عوالم جميع الذين أحاطوا به وما زالوا.

ولد همّام لأسرة متدينة قارئة متعلمة، ونشأ في مدينة دمشق وتعلم في مدارسها وعاش في أجوائها، أنهى دراسته الجامعية في كلية الهندسة المعمارية في جامعة دمشق في أوائل التسعينيات. وكان اعتقال والده في أوائل الثمانينيات هو المرة الأولى التي يختبر بها تجربة الاعتقال السياسي، ومن ثم جاء اعتقاله هو نفسه في نهاية عام 1999 ليضعه في خضم هذه التجربة. يؤمن همّام بمبدأ اللاعنف والتغيير السلمي على الصعيد الاجتماعي/ السياسي، ويؤمن ويدعو إلى "إيجاد الآخر" فضلا عن القبول به، وما يزال يتمسك بجذوره الإسلامية وكتابه المقدس "القرآن الكريم" بل يعتبر هذه الجذور أساسا راسخا يكرس العدل والسلم والتنمية، بل بوابة واسعة لحرية الإنسان في مختلف أوجهها.

لهمّام مدونة على الشبكة العالمية يودع فيها من آن لآخر ما يعبر عن بعض ما يعتلج في صدره أو ما يراه ضروريا لتكريس ثقافة الانفتاح والقبول بالآخر، إضافة إلى بعض رؤاه في ما يجري من حوله على الساحة السياسية والاجتماعية.

لأسباب مختلفة وخياراته الخاصة يعيش همّام مع زوجته التشيكيّة في براغ، ويتابع من بعد ما يجري في وطنه سوريا ويحاول البقاء على تواصل مع ما يجري هناك تعويضا عن رغبة دفينة بالعودة لا تبارح أفئدة جميع المغتربين عن أوطانهم. إليكم هذا اللقاء.


<>- من كان همّام قبيل تفكيره في الدخول إلى الحزب أو انجذابه إليه؟ عمرك، اهتماماتك، خلفيتك الفكرية، وضعك العائلي والاقتصادي.

كنت في الثامنة عشرة حينها في بداية دراستي الجامعية، وكان التفكير في التغيير أو فعل شيء ما للوقوف في وجه الظلم والبؤس موجود دائما في ذهني ومنذ الصغر حقيقة، فبسبب المفاهيم التي نشأت عليها... أن المسلم يجب أن يهتم بأمور المسلمين ويسعى لنهضتهم ونصرتهم، ولأن والدي سابقا كان من الناشطين إسلاميي التوجه المعروفين، وبسبب تأثيره الكبير على من حوله، حيث استطاع أن يسخر قدرته الأدبية ككاتب إضافة إلى معرفته التاريخية كمؤرخ والعملانية الموضوعية كناشط، في غرس أفكار التمرد على الظلم والقهر في من حوله، وبالأولى أبناءه. ورغم أنه اعتقل إلى غير رجعة -الشيء المألوف عن معتقلي الثمانينات في سورية، رغم أنه لم يكن من الإخوان المسلمين بالمناسبة- عندما كنت في العاشرة، إلا أن تأثيره كان قد نقش في الحجر كما يقال، وربما جاء اعتقاله ليكرس التمرد لدى أبناءه ولدى جميع الذين عرفوه وأحبوه. وقد قيض الله طوال الوقت من يهتم بي كناشيء ويعمل -حسب فهمه واستطاعته- على أن أستمر في العيش والنمو بناءا على الأسس والمفاهيم التي أراد والدي أن أنشأ عليها، كحسن الخلق، التدين والالتزام، والشعور بالمسؤولية تجاه اللآخرين والانهمام بما يصيبهم.

كنت قارئا نهما طوال الوقت، بحكم نشأتي في منزل تكسو جدرانه الكتب المتنوعة المذاهب والاتجاهات والمحاور، وبحكم كون والديّ كلاهما من المثقفين المتعلمين القارئين، وأذكر هنا على سبيل الطرفة أنني ولغيرتي من أختي التي كانت قد قرأت "البؤساء" للكاتب فكتور هوغو ولما تتجاوز الحادية عشرة، أنني عمدت إلى قراءتها في ذلك الوقت وكنت أيضا لم أتجاوز العاشرة. إن هذا الإقبال الشديد على القراءة بحكم النشأة والتشجيع، فتح أبوابا كثيرة للتأمل والتفكير والإطلاع، وكان تعدد وتنوع الاتجاهات الفكرية المتوفرة في مكتبة والدي الخاصة كافيا لعدم احتياجي في الأوقات العصيبة للمخاطرة بجلب كتب مثل: "معالم في الطريق" لسيد قطب، أو كتاب "كيف هدمت الخلافة" أحد كتب حزب التحرير المعتمدة، أو سلسلة كتب "لينيننا" الشيوعية، أو روايات تولستوي الرائعة...الخ. كل ذلك كان في متناول يدي وشكل عاملا مهما في استمرار شعلة التطلع لعالم مختلف عما أقاسيه ويقاسيه أهل بلدي من قمع وإرهاب وتنكيل لم يفرق بين المذنب والبريء، بل أحيانا بين المؤمن وغير المؤمن طالما اشتركا في قول "لا" للظلم والإرهاب والإجرام.

وفي الوقت الذي كان فيه النظام البعثي القمعي في سورية يحاول غسل أدمغة الناشئة، وطمس أي معلم من معالم التمرد والمقاومة والحركية المنبنية على أسس دينية إسلامية بشكل خاص، وأي أساس عقائدي مختلف أو مخالف لأهوائه ويهدد استقراره؛ كانت جهود جميع الذين تشبثوا بالبقاء وانحنوا أمام سيل البروباغاندا الجارف الذي أطلقته أجهزة الإرهاب المخابراتية والحزبية البعثية والطائفية الأسروية؛ كانت جهودهم تنصب في تربية العشرات من الآلاف من اليتامى والثكالى والمساكين، ورعايتهم وتنشئتهم ضمن أجواء جماعية وأنشطة مشتركة دون أن يكون لها طابع سياسي معلن أو واضح رغم أنها كانت حبلى بفكرة العمل الجماعي المنظم طوال الوقت.

وهكذا... وضمن السياق المذكور الذي يحتمل الإثراء بالكثير من التفاصيل التي لا مجال لذكرها في هذه العجالة، من الطبيعي ومن المفروغ منه أن تكون فكرة الانتماء إلى عمل تكتلي منظم ينسجم مع الجذور الثقافية، الدينية والحراكية، أمرا واردا من حيث النتيجة. ...وهكذا كان بالنسبة لي.

<>- كيف بدأ انجذابك إلى الحزب من الناحية العملية؟ أصدقاء؟ صدفة؟ وسائل أخرى؟ وفي أي عام كان ذلك؟

كان ذلك ما بين 1988 و 1989، حيث طرح علي صديق لي يكبرني سنا، الانخراط في دراسة ثقافة ومفاهيم وكتب حزب التحرير بشكل رسمي مع أحد الأشخاص المنتمين تنظيميا بشكل فعلي لحزب التحرير، وكنا قبلها نتدارس أحد كتب الحزب (أنا وهذا الصديق) على أساس اجتهاد شخصي منه، حيث كان هو على صلة بالحزب عن طريق علاقة شخصية وغير تنظيمية أيضاً.

<>- كيف بدأ انجذابك إلى الحزب من الناحية العقلية والنفسية؟ أو بالأحرى، كيف ترى هذا الانجذاب بعد مرور هذه السنوات؟ بدافع القناعة؟ الخلفيةالدينية؟ الوضع السياسي؟ أو أية أسباب أخرى؟

كان الاطلاع على فكر الحزب ومفاهيمه عن طريق الصديق الذي ذكرته سابقا هو البوابة الرئيسية للاهتمام، وكان لما يتمتع به هذا الصديق من قوة في الحجة وسعة الإطلاع وجاذبية كارزمية أيضا دافعا إضافياً. أما الناحية العقلية (الفكرية) فإن الأفكار التأسيسية للحزب ما هي إلا استمرار للبناء على المعتقدات والمفاهيم التي يحملها أي فرد ذو نشأة أو خلفية ثقافية إسلامية... الأمر الذي ينطبق على جميع المسلمين ابتداءا، أما من الناحية النفسية فلا شك أن الشعور بالانتماء إلى كيان أكبر وتلبية الحاجة الغرائزية للتواجد ضمن مجموعة متناغمة و متعاونة من الأفراد يؤطرها نسق فكري واحد؛ هو الدافع النفسي وراء الانجذاب إلى فكرة الانخراط في حزب معين، ولا أغفل عامل القطيع في ذلك أيضا.

وأود أن أذكر هنا هو أن عملية التسويق لهذا الحزب كانت ذات أثر كبير في التشجيع على الانضمام له، حيث صوّر لي الوضع على أن الأمر هو مسألة وقت فقط، وما أن يطلق البيان رقم "1" من الإذاعة مابين ليلة و وضحاها، معلنا نجاح الحزب في الانقلاب ومستهلا بداية دولة الخلافة الاسلامية التي طال انتظارها، فإن الحزب على أتم الجهوزية لذلك، بل لديه كادر مستعد لمباشرة مهامه من الوزراء في جميع الأصعدة في اليوم ذاته.

وأظن أن جميع الدوافع التي ذكرتِها كان لها دور بدرجة معينة، وتكاتفت كل هذه الدوافع لتوصل إلى النتيجة النهائية وهي قراري بمباشرة الاحتكاك مع الحزب كـ "دارس" بداية، ومن ثم احتمال الاستمرار كحزبي إن عرض الأمر علي ولاقى قبولا لدي حال حصوله، وهو مالم يتم.

<>- لماذا هذا الحزب دون غيره؟

لأسباب مهمة منها أن احتمال الانخراط في تنظيم غير إسلامي أو غير مبني على أسس إسلامية هو أمر غير وارد بطبيعة الحال والنشأة، وهذا يخرج من الحسبان جميع التوجهات العلمانية، الاشتراكية أو الشيوعية، لأنها ترفض التدين (رغم أنها عقائدية في كثير من الأحيان) من حيث مبادئها ومنطلقاتها؛ مما يبقي في المعادلة الحركات ذات التوجهات الإسلامية الثورية الراديكالية، الاجتماعية التربوية والحركية السياسية؛ وللحقيقة فقد كان لي اطلاع على الاتجاهات الثلاثة الآنفة الذكر وقد أفادتني أدبياتهم وطروحاتهم النظرية بمقدار كبير وربما دفعتني أيضا (رغم أن ما أقوله قد يثير الاستغراب) لاستطلاع فكر حزب التحرير وتلمس مكامن القوة فيه. وأنا أعتقد بناءا على خبرتي السابقة مع حزب التحرير أن البنية الفكرية والسياسية الحزبية استطاعت أن تثبت قوتها وقدرتها، وفي مواضع متنوعة مرونتها وقدرتها العالية على الاجتهاد المنفتح، بل ربما تفوّقها لدى حزب التحرير من الناحية السياسية على بقية الحركات الأخرى، وأستطيع القول أن حزب التحرير من الناحية الهيكلية كحزب سياسي ومن الناحية العملية كصاحب مشروع تغيير سياسي واجتماعي، له كيان واضح ومتبلور يمكن التعامل معه ووضعه تحت المجهر ودراسته على عكس أقوى المنافسين له (من وجهة نظري) جماعة الإخوان المسلمين. فلحزب التحرير جميع مقومات أي حزب سياسي ذو مشروع واضح بأجندة واضحة، وبمشروع واضح مبني على أسس نظرية موجودة في كتب الحزب القديمة والحديثة أو المتبناة، بغض النظر على موافقتي أو عدمها على هذه الأسس النظرية أو تلك، أو هذه المفاهيم التأسيسية أو تلك. وأود ألا يفهم من كلامي التقليل من شأن جهة على حساب جهة أخرى.

Saturday, March 24, 2007

إبتهال

إلهي لا تُعَذَّبْنِي فإِنِّي ...................... مُقِرٌّ بالَّذي قد كان مِنِّي

فما لي حيلةٌ إلاّ رجائي ............ لِعَفْوِك إنْ عَفَوْتَ وحُسْنُ ظَنِّي

وكَم مِنْ زَلَةٍ لي في الخَطَايا ............. وأنتَ عليَّ ذو فَضْلٍ ومَنِّ

إذَا فَكَّرتُ في نَدَمي عليها ......... عَضِضْتُ أَنامِلي وقَرَعْتُ سِنِّي

أجنُّ بِزَهْرةِ الدُّنْيا جُنونا ............... وأَقْطَعُ طولَ عُمْري بالتَّمنِّي

ولَوْ أَنِّي صَدَقْتُ الزُّهْدَ عنها .............. قلبتُ لأهلِها ظَهْرَ المِجَنِّ

يَظُنّ الناسُ بي خيراً وإِنِّي ............ لَشَرُّ الخَلْقِ إنْ لم تَعْفُ عنِّي
.
.
محمد بن أبي العتاهية، قال: آخر شعر قاله أبي في مرضه الذي مات فيه

Friday, March 09, 2007

!زاويتي




هذه زاويتي...
شرفتي التي أطل منها على العالم...
بدون تعليق... :)
.
.

Tuesday, March 06, 2007

!الغريب

هناك*
يقولون أن الاغتراب صعب!…ولكن …ما هو الشعور الذي يجب أن أحس به الآن؟!
لا إحساس!…
لا أشعر بأي حنين أو شوق إلى الذي كنت أعيشه سابقاً!
هل هذا طبيعي؟
ربما هو طبيعي بالنسبة لي أنا بالذات…فما الذي يجب أن أشعر بالشوق و الحنين إليه؟
الوطن؟!! …كلمة ذات حجم لا شك ولكن، هي كلمة تستخدم فقط لحشد الانفعالات لدى من يراد منهم أن يدفعوا ثواني أعمارهم، في سبيل وهم الانتماء إلى بقعة جغرافية محدودة على هذا الكوكب …في هذا الكون الواسع.
أما أنا…فكل ما أذكره عن مسقط رأسي هو أنه كان…مسقط، لا شيء سوى مسقط!…
غريبة هذه الكلمة بما تحويه من معان! و المعنى الوحيد الذي يهمني منها هو السقوط! ولا أقصد بهذا أنني سقطت في ذلك المكان الذي غادرته سعيداً، بل أن معظم آمالي و خيالاتي الدونكيشوتية و اللادونكيشوتية، قد سقطت و تشظت على قعر ما يدعونه بوطني! وليس فقط آمالي و خيالاتي بل أيضا و بشكل أسبق…حتى انتماءاتي البيولوجية! ففي وطني…سقط رأس أبي و كاد رأسي أن يسقط أيضاً! وشاءت الأقدار أن يستمر قطعة واحدة.


هنـا
أما الانتماء إلى هذا المكان فهو بعيد الحصول و الإمكان. وها أنا ذا أبعثر نظراتي لتلتقطها جدران وأعمدة ومصاعد بانورامية…وأجساد هائمة متجهة من لا مكان …إلى لا مكان، أجساد كاسية و أخرى عارية… وهذه الأخيرة هي التي تدغدغ إحساسي بالانتماء، لا لها ولكن لجذوري البشرية بدوافعها الأولية!…
آها…أخيراً انتماء ما! لنفسي في هذا المحيط المتنوع لدرجة انعدام الوجهة!
هنا… في هذا المقهى… أشكل حالة من اللجوء النفسي… شيء جميل وغريب هذا النوع الجديد من اللجوء في برزخ الانتظار، انتظار حصول شيء ما… فرصة تمنحني الانتماء إلى شيء آخر غير نفسي… شيء آخر غير تلك العيون والأجساد المتنقلة من حولي… خلالي!
وأنا أتلمّس طريقي بقدميّ على حافة الاحتمال، ترى هل ستزل قدمي وأسقط في مسقط رأس جديد؟
لا يهم… المهم أن يبقى رأسي قطعة واحدة، لأنني ببساطة لا أملك – بالمعنى المادي و الحرفي للكلمة – ما يسمح لي بفقدان رأسي في سبيل أي جسد أو انتماء محسوس، …كل ما أملكه في حالة الارتحال هذه هو حقيبتي وخيالاتي وغرائزي … وانتظاري!
أعتقد أن هذا هو ما يدعى بالحرية أو على الأقل هذا ما أظنه، وربماالأهم فيما ذكرته هو امتلاكي لخيالاتي، فكل منا يمكن أن يفقد جميع استمرارياته ما عدا خيالاته.

… ها هي الأجساد مرة أخرى تعود لتعلن قوة دوافعي الأولية… ومع ذلك فبإمكاني أن أربط هذه الدوافع بخيالاتي بشكل لا يقبل الانفكاك، وأريد بهذه المناسبة أن أعترف بشعوري بالامتنان لوجود فضولي الدائم معي، هذا الفضول المستمتع بمحاولة إرواء العطش اللانهائي للكينونات القادمة من الزهرة… هذه الكينونات الجميلة، على الأقل في قشرتها الخارجية… وهذاالقدر كاف بالنسبة لي، لأنني شبه متأكد أنني لا أريد أن أغوص لأعمق من القشرة خشية أن أعيش مسقطاً جديداً… أو ربما لأنني ببساطة أخشى الانتماء… وإن للقشرة الجميلة التي يمكن أن يقبع تحتها عمق جميل أيضاً! فإنك لا تدري ما يمكن أن تجتذبك إليه الوجوه …الشفاه … ومن ثم …
فتصبح أسير وطن جديد! إنني في كل لحظة أدعو الأقدار ألا تضعني في اختبار جديّ للمواطنة من هذا النوع لأنني أتوقع – وإلى درجة كبيرة – أن أنجح بالانتماء لمسقط رأس جديد في كل مرة.
ولذلك فقد قررت أن أبقى هنا في هذا البرزخ … على حافة خيالاتي العطشى متعرضا لنسمات الزهرة…
نسمات الأوطان اللامستكشفة.
_____________________________________________
*كتبت في الأيام الأولى بعد وصولي إلى الإمارات العربية المتحدة شبه هارب من بلدي الأول... سوريا
.
.

Friday, February 16, 2007

جانب آخر


قمت مؤخراً بإنشاء مدونة تحوي بعض أعمالي القديمة وربما أحدثها كلما سمح الوقت بذلك،إن أحببتم زيارتها اضغطوا على الصورة، عسى أن تلقى القبول :)
.
.

.

.

Friday, February 02, 2007

الحكمة والثروة



لو كانت الحكمة تقاس بمدى ثراء صاحبها لما صحت المقارنة بين أعظم حكماء العالم وفلاسفته وبين الكم العجيب من محدثي النعمة الحاليين أو أولئك الذين يثرون من مآسي البشرية وحروبها على امتداد التاريخ.
أما إن كان الأمر معكوسا وقيس الثراء بمدى حكمة صاحبه لتقلص عدد الأثرياء في العالم لدرجة مخيفة، وتبيّن لنا كيف كان المتأملون والفلاسفة والأنبياء ينابيع لا تنضب للثروة الحقيقية للانسانية.
على العالم اليوم أن يدرك أن خلاصه لا يمكن أن يكون في أيدي أولئك الأكثر ثراءا، سلطة أو عنجهية، وأن يبحث عن خلاصه لدى العقلاء والحكماء الذين لا طمع لهم ولاشهوة ولا أهواء ذاتية. وإلا فالجميع محكوم عليهم بالتبعية والعبودية لإله الزمان المزيف ذلك الجشع الذي لا يرتوي من الأموال والدماء والخراب.
.
.

عُرفَ السبب



كنت حتى وقت قريب أشعر بالعتب على من يقرأ ما أخطه في مدونتي، ولا يعمد إلى ترك كلمات قليلة تعبر عن اثر ما قرأه في نفسه!... وبعد أن أخبرتني أختي لأيام قليلة خلت أنها لم تستطع ذلك رغم محاولتها، بسبب إعدادات المدونة التي تسمح فقط للمستخدمين المسجلين بترك تعليقاتهم! أدركت عندها ضرورة الاعتذار ممن عتبت عليهم سابقا!

إغفروا عثرة أخيكم قرائي الأعزاء... وبعد هذه اللحظة عتبي سيكون في محله! فقد أصبح بإمكانكم إثراء مدونتي بكلماتكم، وإن لم تفعلوا... فليس عليّ إلا الاحتساب!
.
.

Wednesday, January 03, 2007

أنا... في عينيّ أبي



كم هم الذين كتب فيهم الشعر ولم يكونوا ملوكا أو امراء أو كبار قومهم؟
... قليلون!


هذا جزء من هويتي التي زرعها والدي ورعاها قدر استطاعته قبل أن يغيب جسده وتبقى كلماته! ولدرجة كبيرة -رغم التغير والتطور الذي تم أو اكتشفته بتأملي الذاتي في ثنايا نفسي- فأنا لم أخرج من الدائرة التي خطها يوما والدي من حولي، وكانت مبعث الطاقة الداخلية دوماً. ورغم التجليات البشرية ونواقصها التي خبرها والدي -وبالتالي خبرتها أنا وإخوتي بادئ الأمر- كما خبرها ويختبرها جميع البشريون. استطاع والدي أيضا أن يلامس الإعجاز الخارق الكامن في نفسه البشرية، ونفوس الناس من حوله. وهو في هذه الكلمات توّجني وحولني أسيرا في الوقت ذاته، كما في يوم من الأيام، ربما هو نفسه قد توِّج بالهمّ والانهمام للناس والمسلمين بحسب تعبيره. هذا العام، 2007، يصادف الذكرى السابعة والعشرين لاختفائه! ومن مثله الكثيرون! عليك رحمة الله يا أبي... وشكرا.. شكرا للتّاج.


همّام الحق يتكلم ..
لا نؤمن أبداً بحدود
لانخضع أبدا لقيود
ونجاهد دوما ببطولة
من أجل الإنسان الغالي
ونداء ألقيه لأهلي
ياأهلي في كل مكان
أحيو القرآن القرآن
أحيو العزّ وأمجاده
ليزول من الأرض الباغي
ليزول من الأرض الباغي
.
.