Showing posts with label politics - سياسة. Show all posts
Showing posts with label politics - سياسة. Show all posts

Monday, March 17, 2008

متى سيستيقظ العالم؟

تحت عنوان ميركل تؤكد مجددا على المسؤولية التاريخية لبلادها تجاه إسرائيل يقدم موقع "دويتشه فيله" تلخيصا لزيارة المستشارة الألمانية إلى الدولة الفرانكشتاينية، التي أقحمتها السياسات الحمقاء للدول الاستعمارية في بدايات القرن العشرين في جسد الدولة الإسلامية المتفككة.

سؤالي هو: ترى كم من المستشارين الأوربيون والعالميون سيؤكدون للفلسطينيين أولا والعرب ثانيا والمسلمين ثالثا مسؤوليتهم التاريخية عن أقبح عار اقترفته أيديهم بحق الإنسانية جميعا؟ وهل علينا أن ننتظر يوم تنقلب الموازين ويغدو الضعيف قويا وقادرا كي يهرع الجميع مطأطئي الرؤوس مذلولين؟

من يقبل منطق حق شعب إسرائيل بالعودة إلى "أرضه الموعودة" ولو على جثث الأطفال والنساء والرجال، عليه ألا يعترض كثيرا عندما يجتاح آخرون "روما" مثلا بناءا على وعد مشابه!

أتعجب... هل خلا العالم من الضمير؟

Tuesday, August 21, 2007

وليزهق الباطل



الخطر الحقيقي...

هو الذي يحصل على الحدود الشمالية لسورية!

نعم... هناك في تركيا يكمن الخطر الحقيقي لكن ليس على الناس بل على الأنظمة العربية "الدّعية-الإسلاميّة"، هناك قال الناس كلمتهم بحرية رغم أنف العسكر، هناك اختار الناس من قدم إجابات حقيقية ملموسة تروي غليل المحتاج مادياً... وغليل المحتاج معنويا أيضاً، وأسقط في يد العسكر.

فحزب العدالة ضرب جذوره في تربة غنية وأصبح الناس هم مالكو حزبهم وليس العكس... ولذلك بالذات سيحمونه ويرعونه كي يستمر بالعطاء والنماء، ولا خوف بعد الآن من العسكر وإن نفذوا تهديدهم، فمن يتحكم باللعبة الآن هم أولئك البسطاء الذين حققوا النصر "الإلهي الإنساني" أيضا.

أتمنى لهم أن يمتلكوا قدرهم ببصيرة ووعي وألا يفرطوا في ما صنعت أيديهم ظنا منهم أنها "كرامة" خوارقية.

نتطلع للأتراك مرة أخرى كي يعينوننا على مماليكنا اليوم كم أعانونا على مماليك أيامنا الماضية، لكن هذه المرة بنصر وتثبيت من شكل آخر، بنموذج ناجح لحريات وعدالة و تنمية حقيقية.

بئس ما صنعت أياديكم يا مدّعي التقدمية العروبة والوطنية، ولتذهب إلى الجحيم جثتك المتعفنة يا حزب البعث، فلم يعد بإمكاني الإقياء أكثر.

*

Tuesday, July 24, 2007

تجربتي المنقضية مع حزب التحرير وتداعياتها - الجزء الأخير

الدولاب تسمية معروفة لكل السوريين بفضل الثقافة الإرهابية الرسمية، وكانت له رهبة وغموض أسود خاص به، ورغم معرفتي ويقيني التاميين أن المحقق يعرف تماما من يسأل عنهما و رغم يقيني أنني بإمكاني تجنب "الدولاب" فقط بإقراري بمعرفتهما قبل أن أغادر الغرفة! إلا أنني كنت أريد لقاء هذا الغول الغامض ومجابهته وجها لوجه، وهكذا لذت بالصمت منتظرا هذا الدولاب البعبع.



<>- حدثنا عن فترة اعتقالك، مع المجموعة التي اعتقلت معها، عددالمعتقلين، ظروف التحقيق، مكانه ومكان السجن، ظروف السجن، مدى احتكاكك بسجناء من خلفيات أخرى، علاقتك بأعضاء الحزب المعتقلين أثناء السجن، المحاكمة إن وجدت؟

اعتقلت بتاريخ 29/12/1999 حوالي العاشرة ليلا فيما يشبه الاختطاف الذي نعرفه من القصص والأفلام. يومها كانت مكالمة غريبة من والدتي قد أثارت لدي توجسا عميقا، فقد أخبرتني أن هناك من يدّعون أنهم أصدقائي من أيام خدمة العلم (أي منذ العام 1993 !!) يريدون رؤيتي وأنهم يحملون رسالة لي، وعندما سألت ما أسماؤهم وما أعمارهم تعجبت أكثر مما وصفت، ولما قلت لها أن تستلم الرسالة بدلا عني أخبروها أنني يجب أن أستلمها بيدي، هنا طلبت منها أن تحصل على رقم هاتف منهم علني أتصل بهم فيما بعد... وبعد قليل تلقيت اتصالا من أحدهم يقول لي أنه أبو ثائر (؟؟) وأنه يجب أن يسلمني الرسالة... وألح في معرفة عنوان منزلي بدقة إلا أنني استطعت إقناعه بأنني سألتقيه في مكان يسهل على كلينا الوصول إليه.

كل ماكان يجري كان يؤكد لي أن هناك أمرا مريبا وأن احتمال وشاية أو تقرير إلى الأجهزة القمعية ( ولا أقول الأمنية ) قد يكون وراء مسرحية بوليسية كهذه، وقد تأكدت من ذلك عندما استطعت الوصول إلى مكان اللقاء بحيث أرى من ينتظرني ولا يراني، وأبصرت الباص الصغير المحمل بالعناصر المسلحة وكذلك سيارة الضابط التي كان محركها يدور رغم أنوارها المطفأة، في هذه الأثناء وصل أخي إلى مكان يستطيع منه مراقبة مايحدث دون أن يتدخل كما طلبت منه عبر الهاتف قبل أن أغادر المنزل لأنني لم أكن مطمئنا لما قد يحدث في خضم كل هذا الغموض. ترددت قليلا وتباطأت خطواتي وكان بإمكاني التراجع والتواري في الظلام إلا أن الذي كان يحيرني هو التساؤل عما قد يكون السبب في هذا، ولإيماني الكبير أنه لا مبرر للقلق ويقيني أنني كنت أقول في العلن ما أضمره في نفسي قررت المتابعة ومواجهة الأمر كائنا ماكان بدلا من الهرب الذي يثبت علي أية تهمة وإن كانت كاذبة.

وما إن وصلت إلى الرجل الذي ينتظرني (علمت فيما بعد أنه عقيد في المخابرات الجوية اسمه الأول مطانيوس) ومددت يدي مصافحا ومعرفا بنفسي حتى تشبث بذراعي بشدة وأحاط بي العساكر تحسبا أن ألوذ بالفرار (؟!)

أخبرهم الضابط ألا يزعجونني -لأنني على مايبدو محترم، على حد تعبيره (!!)- وفعلا لم أتعرض لأي إزعاج!!، إلا أن هذا لم يغير من إجراءات تكبيل يدي خلف ظهري و وضع عصبة على عيني بالإضافة إلى إلزامي بخفض رأسي ليلامس ظهر الكرسي الأمامي.

وبعد أن أكد الضابط لأخي -الذي كانوا قد أمسكوا به- أنني مطلوب للسؤال فقط ولن يطول الوقت حتى أعود، انطلق الباص الصغير ( ندعوه سرفيس في سورية) في ظلمات تلك الليلة يقودني في رحلته نحو المجهول وقد تجاوزت الساعة الحادية عشرة ليلا و دماغي يكاد يتمزق لتسارع الأفكار وتزاحمها في محاولة اكتشاف ماذا؟ ومن؟ ولماذ؟ا وإلى أين؟

أما كيف جرت الأمور بعدها فهي مشابهة كثيرا لما كتب في هذا الشأن من قبل معتقلين سياسيين سابقين، شتائم وإهانات صفعات وخلافه، وهذا حصل بعد أن اجتزت مرحلة الديوان حيث سجلت كافة المعلومات عني وتم التقاط صور لي كما الأفلام الأمريكية وتم تجريدي من كل شيء ما عدا ملابسي وحذائي الذي نزعت سيوره تلبية لطلبهم. وبعد أن تم تفتيشي مرة ثانية، وضعت في زنزانة "إفرادية" تبلغ أبعادها (180X220سم) مع أربعة أشخاص آخرين كنت أتقاسم معهم طعام الإفطار والسحور (كنا في الأيام الأخيرة من رمضان) وعلمت منهم فيما بعد أنهم كانوا عناصر أمن تابعين للمخابرات الجوية موقوفين لمخالفات مسلكية بسيطة، هذا في اليوم الأول من اعتقالي... إذ بقيت أنتظر يومين أو أكثر قبل بداية التحقيق معي، وطيلة اليومين أو الثلاثة كنت مازلت لا أعلم سبب اعتقالي، قد أخبروني أثناءها أنني موجود في فرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية. وفيما عدا الاستقبال الذي قام به السجانون عندما دخلت مبنى السجن (الذي كان فوق الأرض) فإنني لم أتعرض لأية إساءات أخرى، ويبدو أن توجيها بعدم الإزعاج أو الاعتداء البدني على الموقوفين قد عمم عليهم.

في صباح أحد الأيام تم استدعائي للتحقيق، إذ تم فتح المزلاج المعدني في باب الزنزانة مصدرا صوتا كريها، و وقف السجان مخاطبا إياي طالبا مني التوجه إلى التحقيق: هيا بسرعة إلى التحقيق... إنزع حذاءك... لا تبق شيء على جسدك ماعدا البنطال! وهكذا خرجت عاري النصف الأعلى من جسدي (علمت من المعتقلين الآخرين أنني كنت محظوظا... ففي الفترة الأولى كان التحقيق يتم والسجين عار إلا من السروال الداخلي فقط) في ثاني أيام كانون الثاني البارد أخطو على الأرض الرطبة بجاربي الذين لم يخطر ببالي نزعهما، وأنا أحاول تلمس مواقع قدمي بجهد وحذر لأن السجان كان قد عصب عيني و وضع قيدا أحاديا في كلا معصمي الذين أمرت أن أضعهما وراء ظهري، ومن ثم كان يمسك بعضدي مرشدا لي في أي اتجاه أسير وأية درجات أهبط أو أصعد.

وأتت اللحظة التي كنت أنتظرها... السؤال الذي طرق أذناي مبددا كل حيرتي و تخبطي في معرفة سبب اعتقالي، فبعد أن قدمت نفسي يالطريقة التي تم تعليمي إياها "الموقوف همام يوسف سيّدي المحقق"... سألني الضابط (عرفت أنه كان برتبة عقيد فيما بعد، وأن اسمه "عامر العشي"): ما علاقتك بحزب التحرير؟

وتنفست الصعداء... و حدثت نفسي... "إذن هذا هو السبب... يا لهذه المشكلة التافهة... هذا أمر قديم ولاشك أنهم عندما يعرفون أنني منقطع عن الحزب منذ حوالي السنوات العشر، سيدركون تفاهة المسألة." أجبت: ليس لي علاقة معهم الآن... كان لي علاقة قديمة و انتهت. وتابع أسئلته مستفسرا عمن كان معي في الحلقة؟ وما كان اسم مدير الحلقة؟ وكيف ومتى كنا نجتمع؟ ماذا كنا نقرأ؟ وعن المبلغ المالي الذي كنت أسهم به للحزب...الخ، أسئلة تنم عن معرفة شاملة و مفصلة بدقائق الأمور، مما أكد لي احتمال صحة ظني أن أحدا من أفراد حلقتي القديمة قد تم القبض عليه لسبب أو لآخر، إلا أن هذا لم يزعجني كثيرا لأن جميع الذين كانوا معي في الحلقة كانوا قد أنهو علاقتهم بالحزب في الوقت ذاته وللأسباب ذاتها. كنت أجيب على أسئلة المحقق بالقدر الذي يكفيه و لا يورطني في أسئلة أخرى بشكل مقنع، فطوال الوقت كنت هادئا متوازنا و"متجاوبا" فما كان منه إلا أن قال لي: إذهب واكتب تقريرا بالذي قلته لي الآن.

وبعد أن كتبت التقرير الذي يبدأ بالعبارة: "تقرير الموقوف فلان الفلاني... سيّدي المحقق..." والذي لم يتجاوز نصف الصفحة (الأمر الذي أثار استغراب واستهجان السجان الذي حذرني من إغفال أي شيء؛) تم إيصاله إلى المحقق وتمت إعادتي إلى الزنزانة لأنتظر هناك يومين آخرين قبل استدعائي للتحقيق للمرة الثانية عصر أحد الأيام.

وفي هذه المرة خلعت جواربي لأنني لم أرد أن تتسخ بمياه الأمطار المختلطة بالأتربة والأوساخ... قادني السجان إلى غرفة تحقيق مختلفة بحسب تقديري (لأنني كنت معصوب العينين كالعادة،) وفي هذه المرة كان الأمر سريعا فبعد أن قدمت نفسي "الموقوف همّام يوسف سيّدي المحقق (كم كنت أكره كلمة "سيّدي" وكنت أبذل جهدا لقولها) سألني المحقق بشكل مباشر ومباغت من هما فلان وفلان؟!!

لحظتها شعرت أن جبلا قد انهار فوق رأسي وأن نارا قد اشتعلت في صدري وجففت الدماء في عروقي، وأدركت أن الأمر أكبر وأكثر اتساعا مما ظننت سابقاً، وأن الأمر سوف يستمر بالاتساع وسوف يصل إلى أشخاص ليس من المهم أو الأساسي بالنسبة للجهات الأمنية أن تعرفهم، وهم لن يقدموا أو يؤخروا في شيء بالإضافة إلى حقيقة أنهم أيضا كانوا قد أنهوا علاقتهم بالحزب بشكل مؤكد، وهم يعيشون حيواتهم بهدوء وسلام مع زوجاتهم وأبنائهم! كيف وصلت أسماؤهم إلى المحقق؟! من هو الذي تبرع بهذه الأسماء علما أنه من الممكن عدم ذكرها؟!! كيف سألتف حول الموضوع دون تعريض آخرين لهذا الذل وهذه الأساليب المتخلفة القميئة؟!!

كل هذا احتشد بتسارع تجاوز الزمن مخلفا احتقانا عالي الضغط في دماغي الذي غاب لفترة لا تزيد عن الثانيتين!! وهنا قررت أن أجيب بتساؤل علي أتيح لنفسي التفكير لثوان أخرى: من فلان وفلان سيدي؟ (وكان قد ذكر فقط اسميهما فقط دون لقبي عائلتيهما.) هنا انقلب عالمي رأسا على عقب، إذ ما أن سمع كلماتي حتى قام باستدعاء السجان بصوت الجرس الكريه وهو يقول: "ما بتعرف مين هنّن لكن... هلأ منشوف شلون رح خليك تعرف... خدو عالدولاب."

الدولاب تسمية معروفة لكل السوريين بفضل الثقافة الإرهابية الرسمية، وكانت له رهبة وغموض أسود خاص به، ورغم معرفتي ويقيني التاميين أن المحقق يعرف تماما من يسأل عنهما (وإلا كيف ذكرهما بهذا التحديد وسألني أنا عنهما، فهو لم يقل: هل تعرف...؟ بل قال: من هما... ؟ أي أنه كان يختبر مدى طواعيتي، وربما كان يريد زيادة تأكيد معلوماته -وهو ما تبين لي صحته فيما بعد- ويريد مني إقرار صحة ما لديه،) و رغم يقيني أنني بإمكاني تجنب "الدولاب" فقط بإقراري بمعرفتهما قبل أن أغادر الغرفة! إلا أنني كنت أريد لقاء هذا الغول الغامض ومجابهته وجها لوجه، وهكذا لذت بالصمت منتظرا هذا الدولاب البعبع.

لم يكن لقاءا جيدا... فبعد أن جرني السجان من عنقي خارجا، وقادني إلى زاوية ما لا أعرف مكانها أو جهتها، أمرني متلفظا بأشنع الألفاظ -التي تجود بها ألسنة أقذر مخيلة بشرية يمكن تخيلها- بالاستلقاء على بطني وثني ركبتيّ رافعا قدماي إلى أعلى بحيث يصبح باطنيهما متجها إلى أعلى، مما سهل عليه الانهيار (كانهيار الجبال) عليهما بعدد فقدت القدرة على إحصائه من الصواعق الخيزرانية التي كان أصوات حفيفها وهي تشق الهواء تختلط بأصواتها وهي تصطدم بلحم قدميي (العاريتين المبللتين بمياه الوحول) وتمتزج بصراخي و جعيري (لم أكن أتخيل أن الإنسان يمكن أي يصدر أصواتا كوحوش الغابات قبل ذلك،) ويتخلل ذلك كله أشنع الشتائم النابية التي لا يمكن لإنسان له أم أو إخوة أو أخوات أن يرضى بسماعها عن شخص آخر، فكيف عن نفسه؟!!

لم يكن دولابا كما تخيلته... إلا أنني بعد أن فقدت القدرة على إحصاء العدد، قررت الاستسلام فأخبرته باكيا (وهذا أمر يصعب الاعتراف به عادة) لشدة الألم أنني أعرف الشخصين الذين سُألت عنهما. فنهرني آمرا بالوقوف فلم أستطع وضع قدماي على الأرض بالكامل لشدة الألم، فسرت متباطئا أمشي على جانبي قدميّ كالكسيح عائدا إلى الزنزانة، فعلى مايبدو أن المهمة قد أنجزت... ولم يكن مهما أن يسمع الضابط تأكيدي بمعرفتهما في تلك اللحظة!

كتبت التقريرالمطلوب بأنني أعرف الشخصين المذكورين وذكرت أنني لا أعرف عنوانيهما الحاليين فنحن لم نلتق لسنوات، وقمت بتزويدهم بعنواني سكن أهلهما الذي أعرفه؛ وهكذا... وبعد أن مر علي يومين أو ثلاثة مع عناصر الأمن المسجونين، جاءني السجان في ليل أحد الأيام وفتح مزلاج الباب الحديدي قائلا: هيا بسرعة... إجلب أمتعتك وكل ما جئت به واخرج... قلت له: هل أخلع الحذاء؟ فأجاب بالنفي... واعترتني فرحة اجتاحتني كموجة دافئة محدثا نفسي: "أخيرا انتهى الكابوس... هاقد تم التحقق من الأمور وأنني منقطع عن الحزب لقناعة آمنت بها منذ سنوات عشر خلت، لقد أدركوا أنه من العبث محاسبة شخص آخر مختلف تماما عن ذلك الشاب الصغير، فالعقاب الرجعي الأثر أمر يكاد يكون نكته في حد ذاته... وهنا سألت السجان إن كان بإمكاني مصافحة زملاء الزنزانة مودعا، فابتسم بامتعاض: لا مانع... هيا أسرع" ففعلت ذلك وحملت معطفي الشتوي وسرت أمامه (وهو إجراء أمني منعا لاحتمال تعرض السجانين لاعتداء) متجها نحو باب مبنى الزنازين الثقيل، وتوقفت هناك منتظرا أن يفتح على حريتي الحبيبة، فما كان منه إلا أن أشار إلي قائلا: إلى أين...؟ تابع مسيرك تابع... قف أمام ذلك الباب، مشيرا إلى باب حديدي عريض إلى يساري، وقفت هناك ريثما يفتح الباب على ظلام غطى أشباح أجساد بشرية تصطف بمحاذاة الجدار وظهورها بمواجهتنا... كنت على درجة من الذهول والخيبة سمرتني في مكاني ما حدا به أن يدفعني إلى الداخل مغلقا الباب ورائي بصوت المزلاج الكريه، بعد أن خطوت خطوة واحدة إلى الأمام مما جعلني في وسط الغرفة تماما. بدأت الهامات البشرية تستدير ببطأ موجهة أنظارها إلي واقتربت الوجوه نحو وجهي بعيون يملؤها الفضول والعطش.

كانت تلك زنزانة "جماعية" تحوي 21 نزيلاً يتقاسمون مساحة تتجاوز الأمتار الستة بقليل فأبعادها كانت (220X320 سم) تفترش أرضها البطانيات المهترئة، وينيرها ضوء أصفر للمبة زجاجية معلقة عل الجدار قرب السقف... ذلك كان منزلي لشهور ثلاثة.

يمر الوقت بتسارعات مختلفة بل ومتناقضة احيانا، إذ يطير الوقت بسرعة البرق بعد الساعة الثامنة أو التاسعة مساءاً وهكذا إلى بزوغ الصباح. ثم يتباطأ بشدة مميتة منذ الاستيقاظ حوالي السابعة والنصف صباحا -موعد بدأ الدوام الرسمي وممارسة الضباط والعساكر مهامهم الرسمية الوظيفية بجلد المواطنين المعتقلين أو تعذيبهم والتحقيق معهم- إلى أن ينتصف النهار ويهل وقت الغداء في االثانية عشرة والنصف أو الواحدة؛ خلال هذه الفترة تكون أعصاب المعتقلين في الزنازين من التوتر والتحفز والهلع بحيث يمكن أن تتقصف كما لو أنها أغصان شجرة جافة.

ويزيد من القهر المعدني المصمت للثواني المتعمدة البطأ، تلك الصرخات المترعة بالألم والرعب التي يطلقها المساكين الجدد الذين كانوا يصلون على فترات، أثناء اجتيازهم جحيم الاعترافات الأولى، في مواجهة الدولاب أو وسائل وحشية أخرى لكل حسب عتبة ألمه قبل القبول بسطوة الألم الخبيثة على الأبدان والأرواح.

وما أن يبدأ توزيع طعام الغداء حتى تأخذ النفوس بالهدوء لأن التحقيق وما يلازمه من تعذيب وإهانات يتوقف كي يتمكن الجميع من تناول طعامهم! أي حوالي الساعات الثلاث أو الأربع.

كان الغداء يعد (في الغالب) في مطابخ القطعة العسكرية التابعة للمخابرات الجوية في مطار المزة العسكري حيث كان فرع التحقيق والمداهمة أيضا. ولم تكن الكميات كافية لجميع المعتقلين وغالبا ما كانت السرقات تؤدي إلى إنقاص كميات الخبز من ثلاثة أرغفة إلى رغيفين فقط للفرد، وينطبق الأمر ذاته على الزيتون والحلاوة ومربى المشمش، وأذكر على سبيل المثال كيف كانت حصة 20 رجلا من الحلاوة المخصصة لطعام الإفطار (كانت حصص الإفطار توزع في الليلة الأسبق) لا تكاد تبلغ قبضة اليد في أحد الأيام، أما الزيتون فكان نصيب المعتقل منا يتراوح مابين حبتي زيتون إلى سبع حبات في أفضل الأحوال، وكثيرا ما كنا نأكل قشور البرتقال ونتقاسمها لشدة الجوع عندما ينوبنا بعض حبات البرتقال أو الـيوسف أفندي (ماندارين.)

بعد الغداء، أي في فترة النوبة المسائية، إلى مابعد التاسعة بقليل يعود الوقت لتباطؤه القاتل المعتاد بسبب عودة عجلة التحقيق الروتينية للدوران من جديد، أي التعذيب والصراخ والضرب والشتائم والاستغاثات المفتته للأعصاب

إضافة إلى هذه العجلة الجهنمية التي تقرض المشاعر والأحاسيس وتتلاعب بسلامة العقول وتوازنها بسبب تكرارها اليومي الحتمي، من توتر إلى راحة فشد عصبي إلى استرخاء يليه ضغط، خوف وهلع يليه لحظات من الفرج تليها ساعات من الرعب والتحفز ثم النوم القلق كالسردين (ليس مجازا بل واقعا حرفيا) إلى الاستيقاظ على صوت السجان الذي يفتح الباب بقوة مصدرا صوتا إرهابيا ممقوتا ومناديا على اسم مسكين من الخراف التي غلب على أمرها؛ إضافة لكل ذلك كنا نعاني من معضلات ثلاث في فرع التحقيق:

مشكلة النوم وانتشار القمل والجرب (نظرا للتكدس وحقيقة بقائنا بلا استحمام لفترة خمسة أسابيع على الأقل)
الخروج للتغوط أو التبول (نتيجة للعدد الكبير من المعتقلين و وجود فقط أربعة كبائن تغوط للجميع)
قلة الطعام ونوعيته السيئة (العديد من المعتقلين فقدوا من 10 – 20 كغ من وزنهم)

ورغم انتقالي مع اثنين آخرين من الزنزانة الجماعية (بناءا على طلبنا) بعد حوالي الثلاثة أشهر من العيش فيها إلى زنزانة إفرادية، إلا أن المشاكل استمرت كما هي، فقد انضممنا إلى نزيل موجود قبلنا في الزنزانة واستمرت إضافة معتقلين آخرين إلى أن وصلنا في إحدى الفترات إلى سبع أشخاص في مكان مخصص لاثنين بالأكثر! وكنا ننتظر اليوم الذي يتم نقلنا فيه إلى سجن رسمي كصيدنايا، وهو ما حدث فعلا في صباح 29/5/2000.

مرحلة صيدنايا تختلف جذريا عن مرحلة التحقيق من حيث سعة المكان كمية الطعام والنظافة الشخصية، بالإضافة إلى أمر مهم جدا هو انتهاء الشد النفسي الناتج عن كل ما كانت تثيره حفلات التعذيب من رعب وقلق وجوديين، إلا أنني أستثني منها فترة الأسبوعين الأولين حيث شهدنا فيها فيضانا من الشتائم المقذعة والإهانات الجسدية والمعنوية والضرب العنيف المباشر من صفعات و ركلات و لكمات (بقيت لمدة شهرين لا أستطيع الاستلقاء على جانبي الأيمن بعد أن لكمني المدعو "فاطر" على أضلاع صدري التي أظنها كسرت في تلك الحادثة.) سبب ذلك أن إدارة السجن استقبلتنا على أننا عملاء وجواسيس للعدو الصهيوني وأننا منتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين!! ولم يتم إعلامهم بحقيقة أمرنا وأننا كنا بنسبة 50-60% من الجامعيين و حتى من حاملي شهادات عليا في الجراحة و الهندسات والصيدلة... الخ، وكنا نمتنع عن إخبار عناصر الشرطة العسكرية بذلك تجنبا لزيادة الإهانات والقهر عندما يعلمون أننا تجاوزنا البكالوريا بنجاح!!

تغير هذا الوضع بعد قدوم اللجنة الأمنية التي قابلت عدة أفراد رشحوا لذلك، حيث أعلموا أعضاء اللجنة أننا ( حوالي الـ 250- 300 ) موقوفون على ذمة حزب التحرير الذي لا علاقة له بالإخوان المسلمين أو أعمال عنف مسلحة أو غير ذلك (لم يتم العثور على قطعة سلاح واحدة لدى أي من المعتقلين الذين قارب عددهم الـ 450 توزعت أماكن احتجازهم ما بين فروع التحقيق والمنطقة وإدارة المخابرات الجوية.) بعد هذا اللقاء تحول وضعنا من موقوفين على ذمة التحقيق إلى سجناء رسميين! فقط بقرار من اللجنة وليس نتيجة محاكمة! وهكذا منحنا كل ما يمنح للسجين الرسمي ورفعت عنا المعاملة المتوحشة بعد حوالي الأسابيع الثلاثة. هذا كان يعني فتح المهاجع العشرة التي يتألف منها الجناح ( - أ- يسار، الطابق 3) على بعضها طيلة النهار، الحصول على المشتريات و فترات التشميس في الباحة وقراءة الجرائد الرسمية وبعض الكتب المتوفرة.)

المحكمة
تمت جدولة أسمائنا للمثول أمام محكمة أمن الدولة على دفعات وقد كانت المحاكمات تسير على نظام 3 مراحل التحقيق، توجيه الاتهام، ثم جلسة النطق بالحكم. تم عرض الجميع على المحكمة بالنسبة للمرحلة الأولى، و تمت متابعة المرحلة الثانية مع أعداد قليلة ولكن لم تكتمل بالنسبة للجميع بسبب صدور عفو بشار الأسد الشهير بتاريخ 16/11/2000، والذي عفا بموجبه عمن قد تجاوزوا فترات أحكامهم المفترضة! ( إذ كان من المنتظر الحكم على كل من تشبه حاله حالي -أي الغير حزبيين- بستة أشهر بتهمة كتمان المعلومات!) وهكذا أطلق سراحي بعد مرور العام تقريبا على اعتقالي.

الاحتكاك مع بقية المعتقلين
مما لفت انتباهي من خلال احتكاكي مع معتقلي حزب التحرير -الراهنين حينئذ- أن السوية الثقافية الحزبية وسوية المحاكمات العقلية العلمية والمحاججات المنطقية قد انخفضت بشكل ملحوظ عما كنت عرفته قبل تسعة أعوام، وقد عزوت هذا إلى حقيقة اعتقال عدد لا بأس به من أعضاء الحزب المهمين في بداية التسعينات وانسحاب عدد ملحوظ من الدارسين في ذلك الوقت، مما دفع الحزب حينئذ إلى انتقاء قيادات بديلة بشكل إسعافي لم يتوخ الحرص على سوية ثقافية أو علمية عالية كما هو المألوف عادة، مما أدى إلى تحويل نشاط الحزب بشكل أكثر مما مضى إلى زيادة الانتشار الأفقي بتسارع كبير عاد بأثر سلبي على سوية التحصيل والبناء الثقافي الفردي، أي بكلام آخر أن الحزب عمل بشكل واضح على زيادة أعداد الموالين له على حساب إعداد نخبة قيادية راسخة، الأمر الذي كان موجودا دائما ضمن النهج العملي للحزب إلا أنه لم يسبق له أن كان على الشكل المرضي الذي خبرته.

وأيضا قد يعود تقييمي السابق للسوية المتواضعة لأعضاء حزب التحرير ولاية سورية إلى حقيقة استمراري بالاحتكاك أكثر وأكثر بعالم الفكر ووجهات النظر والتحاليل المختلفة للخلل الذي يعاني منه العالم الإسلامي، والانفتاح الفكري الكبير على جميع الطروحات المتواجدة على الساحة والتي تنوعت مابين الإسلامي و اللا إسلامي والليبرالي والمحافظ والعلماني.... الخ.

نتيجة لكل ما سبق فقد كان الاحتكاك مع الحزب يتراوح مابين النقاش الفكري للجذور المفهومية التي بنى عليها الحزب هيكله الفكري، وما بين المشاحنات الكلامية والمواقف المتصلبة العدائية التي تولدت نتيجة تصنيفي مع مجموعة من الأشخاص على أننا نشكل خطرا فكريا ويجب نبذنا! إلا أن هذه الفترة أتاحت لي اختبار جميع المفاهيم التي كنت أحملها كمسلم "لا عنفي" والتي كنت أعيشها و أطورها بناءا على ما اكتسبته من المفكر جودت سعيد ومالك بن نبي بشكل أساسي وفكر المقاومة المدنية بشكل عام، وكان من نتيجة ممارستي لحياتي وسلوكياتي بناءا على هذه القناعات أنني تركت السجن وقد اكتسبت من الأصدقاء والمتعاطفين العدد الكثير رغم إدراكهم بشكل واضح لا يخالطه شك أنني مختلف عنهم.

الشيء المهم الذي لا يجب أن يتم تناسيه هو وجود براعم تيار إسلامي تنويري متحرر قادر على التواصل مع الأطراف جميعها، الإسلامية وغير الإسلامية التي تنشط في الساحة السورية والعربية بشكل أوسع، تيار يعتقد أن «ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأما الزبد فيذهب جفاءا» كقاعدة تحكم جميع مشاريع النهضة والإصلاح أو التغيير، تيار يعتقد أن «العدل» و «النفعية» هي المقدسة وليس الأشخاص الكلمات أو الحروف بحد ذاتها. هؤلاء كانوا بعض الذين التقيت بهم هناك.

وللمفارقة بعضهم أيضا كان من «التيارات العلمانية» الذين كنت أستطيع وأستمتع بالحوار معهم على عكس معظم من كانوا حولي من المنتمين إلى التيارات الإسلامية التي تحجرت على تقديسها لقادتها أو مشايخها بشكل أعمى ومنزه عن النقد الذاتي الضروري لأي حركة تتوخى البقاء والتطور، بمن فيهم حزب التحرير الذي قدس النبهاني لشخصه لا لإبداعه و قدرته على الاجتهاد، والله أعلم.


<>- كيف اختلف همّام ما بعد الاعتقال عنه ما قبل الاعتقال؟ وكيف تقيم تلك التجربة بمجملها بعد هذه السنوات على مرورها؟

لا أظن أن هناك تغيرا كبيرا حصل لي إلا من باب تقديري للحياة بأبسط جوانبها وتفاصيلها التي غالبا ما نمر عليها كما لوأنها أمرا اعتياديا. إن مراقبة السماء لحظة غروب الشمس أمر لن يشعر الإنسان بجماله مالم يحرم منه أو يراه من خلال قضبان الأسر، وتصبح قدرتنا على التغوط أو التبول لحظة حاجتنا له أمر غير مفروغ منه كما نعتقد.

ما يجب أن نعرفه عن السجين والمعزول في زنزانة إفرادية على وجه الخصوص هو أنه يموت في اليوم الواحد بعدد المرات التي يوقظه بها الوعي المفاجئ على حقيقة قبوعه ما بين أربعة جدران صماء لم ولا ولن تتغير مهما طال زمان بقائه بين جوانحها.

ولا أدري في الحقيقة أين يمكن أن أضع تجربة إعتقالي الماضية على وجه الدقة، لكن ما أعرفه هو أن الإنسان مستعد لأن يدفع ثمن أفكاره وقناعاته التي يحملها مهما بلغت هذه الأثمان، ويستوي في هذا المنتمين إلى التيارات جميعها على اختلافها بل تناقضها أحيانا. إلا أن الاطمئنان الذي يحمله "اللا عنفي" في داخله أمر لا يقدر بثمن. إن قدرتنا على كسب ثقة من نختلف معه بنا وبمصداقيتنا هي أحد أهم المقاييس لنجاح الحراك المدني الذي نعتقد بصحة توجهه.

تجربة الاعتقال والسجن لم تكن خيارا بل قضاءا من الله، وأنا إن لم أستطع إدراك تتالياتها أو ما سينبني عليها مستقبلا فهذا لم يمنعني من عيشها بالشكل الذي ارتضيته لنفسي، إلا أنني لا أرغب بتكرارها ثانية وهذا أمر فطري مفروغ منه.

<>- إذا قررت الانتساب لحزب سياسي الآن، فهل سيكون حزب ديني؟ ولماذا؟ وكيف تنظر الآن إلى تجربة الإسلام السياسي؟

إن كان هناك من حزب أرتضي الانتماء إليه فسيكون حزبا قريبا من نموذج حزب العدالة والتنمية التركي. إن طبيعة إيماني بالإسلام كفلسفة حياة وكون لا تخلق تضاربا أو تناقضا ما بين الإلهي والموضوعي وهما بالنسبة لي وجهان لعملة واحدة. إن الإيمان بالله بالنسبة لي يعني الإيمان بالحرية كشرط لازم غير كافي للتنمية والعطاء والعدالة.

ما يصنف اليوم على أنه إسلام سياسي هو تعبير موضوعي عن فكر وثقافة موجودان موضوعيا ويجب الاعتراف بهما، وكان يمكن لتيارات الإسلام السياسي الحالية أن تجد نفسها على المحك إن أتيح لها الوجود والحراك إلى جانب مجموع التيارات الأخرى العلمانية الليبرالية اليسارية ....الخ، إلا أن القمع والمنع والإقصاء سيؤديان في النهاية إلى تفجر عشوائي مدمر سيأخذ معه الأخضر واليابس. ومن غير شك أن تصلب بعض تيارات الإسلام السياسي في رفضها للعملية الديموقراطية من حيث المبدأ كحزب التحرير على سبيل المثال لا الحصر، تخلق لنفسها كابحا ذاتيا سيزيد من احتقانها الداخلي وبالتالي يزيد من تشنجها وتمسكها الشديد بمواقفها الإقصائية المتطرفة للآخر المختلف.

ويتضاعف القلق من كوارث تفكك بل اصطراع تناقضات مجتمعيه داخلية؛ إن تلاقت تطلعات الشريحة الأكبر من شرائح المجتمع السوري، وأقصد بها الطائفة السنية تحديدا، للحرية والعدالة والتنمية والرخاء، مع الوعود المعسولة التي تبثها اتجاهات سياسية تنتمي إلى الخلفية الدينية المشتركة ذاتها دون أسس موضوعية منطقية قابلة للتحقيق، وخصوصا في أجواء القمع والقهر وكم الأفواه والآمال وانعدام فرص التعبير عن الذات في جو من الحريات الأساسية العامة. هذا اللقاء ما بين إحباطات مكبوته وبين تشدد وتشنج إتجاهات إسلام سياسي إقصائية هو الأمر المخيف والمحذور. والوضع السياسي القائم من أبعد ما يكون عن تقديم حل ناجع إن لم نقل أنه يسهم بشكل مثابر على تكريس هذا التأزم ومن ثم التهديد بتفجيره بغباء سياسي يتناسى أن قوة الانفجار ستطيح بالجميع بمن فيهم من سيحرر عتلة التفجير.

ليس كون الأحزاب دينية أو لا دينية هو المشكلة، الخطر يكمن في الثقافة الإقصائية الشمولية التي تعاني منها المذاهب أو الاتجاهات أو الجماعات و الطوائف و الحركات و حتى العلمانية منها.

Friday, June 22, 2007

تجربتي المنقضية مع حزب التحرير وتداعياتها - الجزء الثاني

وكان لطروحات جودت سعيد ومالك بن نبي ومفكرين آخرين كمحمد عابد الجابري ومحمد شحرور ومعظم المفكرين الذين كانوا يشيرون إلى أن الخلل حقيقة ليس في السلطة السياسية من حيث الجذر، بل بالأفكار والعقل المريضين الذين سينتجا مرة بعد الأخرى جميع الأمراض التي نعاني منه كمجتمعات مسلمة، بما فيها الدكتاتورية والفرقة الداخلية والقابلية للاستعمار الداخلي والخارجي الأثر الكبير على تفكيري الجاد بالانسحاب


<>- كيف كنت تنظر للأحزاب العلمانية (التي كان معظم كوادرها في السجن) في ذلك الوقت؟ هل تسنى لك أي احتكاك معها؟

بدابة سأبني على أن المقصود بالعلمانية هو المفهوم الممتد من الفصل مابين الدين والحياة إلى إنكار الدين بالدرجة القصوى. على أقل تقدير كانت الأحزاب العلمانية –الاشتراكية والشيوعية- مرفوضة إن لم أقل محاربة من الأوساط والاتجاهات الإسلامية. وأذكر هنا استغرابا كان موجودا (وربما هو موجود الآن لدى الكثيرين) أن هذه الأحزاب تخاطب وتحاول أن تفرض على مجتمعات دينية خطاباً ومشروعا سياسيا غريبا عنها بل هو أقرب إلى عملية زراعة كبد بقرة في جسد قطة.

بالإضافة إلى القناعة الشخصية تلك آنذاك، فإن ما طرحه فكر حزب التحرير حول المبدأين الرأسمالي والشيوعي (ضمنا الاشتراكي) هو وصف لمدى اختلاف وفشل وخطأ مقاربات هذين الاتجاهين لأسئلة العقدة الكبرى: من أين؟ ولماذا؟ وإلى أين؟ أو التساؤلات الإنسانية عن الإنسان، الكون والحياة؛ على عكس الدين الإسلامي الذي (بناءا على طرح الحزب) استطاع الإجابة على تلك الأسئلة بشكل يرضي ويروي عطش هذه التساؤلات بشكل فطري.

أيضا يضاف إلى ذلك مسألة الارتباطات الخارجية لتلك الأحزاب بحكم نشأة الفكر العلماني ككل، حيث استخدم الحزب هذه الارتباطات لتقويض شرعية هذه الأحزاب وبالتالي إقصاءها من التواجد في ساحة العمل الإجتماعي السياسي بشكل جذري في أدبياته، ولا يخفي حزب التحرير رفضه لوجود الأحزاب العلمانية ضمن جسد "الدولة الإسلامية" حال تحققها، فالآخر بالنسبة له هو الآخر المنبني على الأساس الديني الإسلامي فقط.

ومن المفيد ذكره هنا أنني لم يسبق لي قبل معرفتي للحزب أو أثناءها أن التقيت بمن يحمل أفكارا علمانية في إطار جهود تنظيمية أو من يدعو إليها، فأستطيع القول أنه لم يتسن لي الاحتكاك بأحزاب علمانية مطلقا.


<>- هل من الممكن تزويدي بوصف مكثف لتجربتك في الحزب؟ ما ذا كان دورك، كيف كنت تنظر إلى ذلك؟ إلى أي مدى وجدت نفسك والتقت قناعاتك مع فكر هذا الحزب؟


تكاد تجربتي في الحزب تقتصر على القراءة ومطالعة الأنباء وتحليلها بالإضافة إلى الدراسة المنتظمة لكتب الحزب ضمن الحلقة المعدة لذلك، وكنت قارئا نهما فما أن يصلني كتاب من كتب الحزب (التي كنا نشتريها بمبالغ معقولة) حتى أبادر إلى قراءته ملتهما إياه في أيام معدودة، وكذلك الأمر بالنسبة لمجلة عنوانها "الوعي" كانت تصدر غالبا في لبنان بجهود "الشباب" (كما كنا أحيانا نطلق على أعضاء حزب التحرير) اللبنانيين، معظم هذه المطبوعات كانت تصلنا منسوخة على الناسخة الضوئية.

إضافة إلى ما سبق ونتيجة لحماستي الشديدة للحزب وأفكاره التي كانت تتمتع بترابط منطقي وحجة بليغة قويين، كنت أحاول بث هذه الأفكار فيمن حولي من الأصدقاء والمعارف، دون التصريح بمصدرها إلا لمن كنت واثقا من رجاحتهم وأمانتهم، وهؤلاء كنت أحاول جذبهم للانخراط بشكل عملي في دراسة كتب الحزب ومنهاجه كما كنت أفعل أنا نفسي -على مبدأ "أحب لأخيك ما تحب لنفسك."

لم يكن هناك أنشطة تربوية خاصة يقوم بها الحزب، وهو يرفض فكرة الرعاية الفردية وبناء الفرد الأخلاقي والنفسي بجهد يقوم عليه الحزب، ويفضل أن يقوم الفرد نفسه بهذا الجهد بشكل ذاتي لتزكية نفسه، وهكذا فقد كان الاحتكاك مع الحزب هو من خلال حلقات الدراسة تلك ومناقشة أفكار الحزب ومنهاجه (الذي يركز بشكل أكبر على تنمية الوعي والولاء السياسي لهدف استئناف الحياة الإسلامية في مجتمع تحكمه الدولة الإسلامية،) بالإضافة إلى متابعة الأحداث الجارية عالميا و تأثيراتها المحلية. لاشك أن هذا التركيز على الحس السياسي والقدرة على الاستقراء السياسي قد أفادت في تنمية هذا الجانب عند كل المنتمين أو الحاملين لفكر الحزب، إلا أن هذا لم يلب بشكل كاف رغبة العديد ممن عرفتهم خلال تلك الفترة بإشباع الحاجة إلى الروحانيات والأنشطة التي تغذي النفس بالطاقة اللازمة.

أنا بحكم وضعي كـ "دارس" لم أكن مكلفا بأي نشاط خارج عن الدراسة بحد ذاتها، فلم أكن أحمل المنشورات السياسية أوالبيانات لتوزيعها. وكما قلت سابقا أنا لم أكن أعتبر حزبيا بالمعنى التنظيمي، وهكذا فلم يكن من حق الحزب أن يطلب مني القيام بأي نشاط، أما حقيقة حملي لأفكار الحزب و الدعوة لها ومناقشتها و نشرها بين من كنت أثق بهم من الأصدقاء أو الأقارب فكان بمحض اختياري وحريتي الشخصية.


<>- هل غادرت الحزب قبل أو بعد الاعتقال؟ كيف، ولماذا؟

الحقيقة لا أدري إن كان إنهاء علاقتي الدراسية مع الحزب يمكن وصفها على أنها مغادرة، فحقيقة الأمر أن صلتي بالحزب –رغم إيماني وحماستي له ولأفكاره وأهدافه في البداية- لم تتعد المرحلة التي يطلق عليها المرحلة التثقيفية وخلالها لايعتبر الشخص –رجلا أو امرأة بالمناسبة- حزبيا ويطلق عليه تسمية "دارس،" فمن الناحية التنظيمية هذا الشخص مازال غير منتسب رسميا إلى الحزب ويحق له أن ينسحب في أي لحظة يراها هو مناسبة، ولم يسبق أن كان لانسحابات كهذه تداعيات أو إشكاليات على ما أعلم.

أما إنهاء علاقتي مع الحزب فكانت في عام 1991، إذ أبلغت "مدير الحلقة" (الشخص الذي يقوم على تثقيف الدارسين) آنذاك بقراري إنهاء الصلة، طبعا كان هناك اضطراب بسيط من طرفه إلا أنه كان نوعا ما يتوقع هذا الأمر، خاصة وأن نقاشات كثيرة حول أفكار تأسيسية لحزب التحرير كانت تجري بشكل متكرر، وكنت أعبر فيها عن تغير قناعتي تجاهها؛ وأذكر أنه هيأ للقاء مع شخص آخر لم يسبق لي أن التقيته قبل ذلك في محاولة لمناقشة قراري ومحاولة إقناعي بالعدول عنه. هذا اللقاء لم يغير أو يؤثر على عزمي بإنهاء العلاقة، فقد كانت الأفكار التي جدّتْ لدي و كنت أحملها وأومن بها بما يتعلق بالتغيير الاجتماعي والسياسي، لا يمكن لها أن تتوافق أو تتعايش مع أفكار صميمية و تأسيسية يعيشها الحزب بشكل عملاني.

بعد أن شرحت لممثلي الحزب موقفي وأفكاري الجديدة التي أومن بها شعرا بجدية وصدق خطابي لهما، واستطعت أن أبين لهما حقيقة امتناني واعترافي بالفضل لحزب التحرير في توسيع أفق تفكيري و تزويدي بمفاهميم وإضاءة زوايا من العمل والحراك الاجتماعي السياسي لم يكن لي أن أصل إليها بمفردي، إلا أن هذا لا يعني استمرار صلتي بهم فالأمر بالنسبة لي هو مفترق طريق. عندها قال لي: حسنا... يبدو أن قرارك نهائي، على كل حال... أدعُ الله لنا بالتوفيق؟ فأجبته: من طرفي سأدعو لكم... لكن ظني أن الله لن يوفقكم. وصافحتهما مودعاً. كان هذا قبل اعتقالي بحوالي تسع سنوات على ذمة تلك الصلة القديمة!!

نأتي الآن للإجابة عن لماذا؛ بشكل أساسي و دون الخوض في التفاصيل، كان الشيئين أو المفهومين الأساسيين الذين تغيرت قناعتي تجاههما ومن ثم بناءا عليه قراري بالانسحاب هما "العمل السري" وما يطلق عليه "طلب النصرة،" وقد كان لاحتكاكي و متابعتي للمفكر جودت سعيد و طروحاته الأثر الأساسي في تغيير هذه القناعات، بالإضافة إلى إدراكي لحقيقة أن تغيير الواقع الذي نعمل على إصلاحه وتحسينه لا يأتي بتغيير شكل السلطة أو بالإتيان إلى رأس الهرم وتغييره على أمل أن تعكس القاعدة هذا التغير بشكل أوتوماتيكي، وكان لطروحات جودت سعيد ومالك بن نبي ومفكرين آخرين كمحمد عابد الجابري ومحمد شحرور ومعظم المفكرين الذين كانوا يشيرون إلى أن الخلل حقيقة ليس في السلطة السياسية من حيث الجذر، بل بالأفكار والعقل المريضين الذين سينتجا مرة بعد الأخرى جميع الأمراض التي نعاني منه كمجتمعات مسلمة، بما فيها الدكتاتورية والفرقة الداخلية والقابلية للاستعمار الداخلي والخارجي الأثر الكبير على تفكيري الجاد بالانسحاب. ووصلت إلى النتيجة التي تقول أن الخلل هو في العقل و بنية العقل لدى الأمة، أما السلطة السياسية فما هي إلا انعكاس لما تحمله الأمة وثقافتها من أفكار ومن ثم تعكسها طبيعة هذه السلطة مجددا على الأمة، ورغم أن الجدل (الديالكتيك) موجود ما بين قطبي الأمة و السلطة، إلا أن التغيير الجوهري يجب أن يحدث في الأمة.

والحال كذلك فإن "طلب النصرة" الذي يمكن أن أشرحه ببساطة بأنه طلب دعم مراكز القوة في الهيكل السياسي للمجتمع الذي ينشط به الحزب، وهو بناءا على قناعة الحزب يكمن في القوة العسكرية للجيش وجنرالاته في معظم البلدان التي يتواجد بها الحزب؛ وهذا يعني بساطة أن الحزب يهدف و ينشط عمليا –رغم أن الحزب يولي أهمية لعملية تثقيف الأمة- في طلب السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية، أي احتمال العنف الداخلي موجود بشكل كبير ومتوقع، وهذا كان مرفوضا بالنسبة لي، لأنه في النهاية يعيد تكرار مأساة فرض أنماط الأفكار والحياة على المجتمع بقوة السلاح والعسكر لا بقوة الأفكار والمباديء وهذا سبيله إلى الزوال.

وكل ما سبق يترافق مع "العمل السري" بشكل لازم، الأمر الذي تعيه السلطة الحاكمة بشكل متيقظ دائم التحفز ، لا بل و تستخدمه للصيد في المياه العكرة ففي الظلام يسهل اتهام أي ناشط بجرائم ضد الدولة والمجتمع دون أن يكون له القدرة أو السند الاجتماعي الذي يعينه على ضحد ما يمكن أن ينسب إليه، ويحرمه من احتواء المجتمع له ولنشاطه بما يضمن استمرار تأثره به، إضافة أنه قد سبق لمحاولات إنقلابية قام بها الحزب أن باءت بالفشل باعترافه، وهذا كان طريقا مسدودا بل جدارا أصر الحزب على أن يحطم نفسه عليه مرة تلو المرة دون جدوى!

وأذكر من مقابلتي الأخيرة لعضو حزب التحرير، عندما سألني إن كان هناك أمر يمكن أن يقوم به الحزب ويجعلني أعدل عن قراري يالانسحاب؟ أنني أجبته: نعم... هناك، إن أعلن حزب التحرير في جميع الوسائل الإعلامية الممكنة أنه تخلى عن طلب السلطة وأنه سيخرج من العمل السري إلى العلنية فسأعود عن قراري! مقتل حزب التحرير هو في طلب السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية أي العنف، وفي العمل السري. وأنا لم أكن مستعدا للاستمرار بالسير في طريق نهايته الفشل حتى إن واتته رياح ما ونجح!

Thursday, June 21, 2007

ماذا عن الجولان؟

أحد المواقع التي تستأثر باهتمامي [ كرييتف سيريا] طالب من يرغب من المشاركين الإجابة عن السؤال التالي: "لو كنت ستكتب رسالة من صفحة واحدة لمواطن إسرائيلي لا يعتقد أن على حكومته إعادة الجولان لسورية، فما الذي ستقوله له/ لها؟"

تم نشره على الموقع (بالإنكليزية) وتجدونه ---> هنـــــا

وفيما يلي جوابي الأصلي بالعربية...

لم يتوجب على إسرائيل أن تعيد الجولان إلى سوريا؟!


هو سؤال من البدهي الإجابة عنه لدرجة الغموض!... وما الذي يمكن اقتراحه بالمقابل؟... أعتقد أنه استمرار الحرب والكراهية والحقد والضغينة... لكن مالذي يضمن للإسرائيليين أن كل هذه المشاعر ستختفي بمجرد عودة الجولان إلى سورية!... لا ضمان! ولايستطيع أحد أن يكفل أو حتى أن يتشدق بالحديث نيابة عن جميع المتألمين والغاضبين من العدوان العالمي على الرجل المريض والذي تبلور واتخذ هيئة على شكل دولة هجينة تم زرعها في جسد ضعيف أنهكته تتاليات حقب القهر والتخلف. إذا... علينا أن نتحلى بالشجاعة كي نقوم بفعل ما هو صحيح بغض النظر عن أي شيء آخر.


هل كلامي غير مفهوم؟ هل أحاسيسي غير ذات قيمة؟ وماذا لو كنت عينة من ملايين؟!


علماء النفس يقولون أن الطفل الذي يصفعه أبوه في ثانية يحتاج لستة أشهر كي يستعيد توازنه ويستعيد ثقته بمن صفعه! فكم برأيكم يحتاج السوريون، إن لم نقل العرب كي يستعيدوا توازنهم وثقتهم بالمجتمع الدولي الذي أسهم في إيجاد الكيان الدخيل، وما يزال يسهم في تمزيق الجسد العربي الحي ويقتطع من لحمه الرطل بعد الآخر!


هل قضية الجولان حكر على السوريين كي يبتوا فيها هم وحدهم، وهل قضية القدس و فلسطين حكر على الفلسطينيين كي يبتوا بها وحدهم أيضا؟! بالطبع لا! منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها تهجير السوريين عامة والفلسطينين خاصة من أرض فلسطين، والعرب جميعا يدفعون كلفة هذا العدوان الوقح على أبسط وأوضح الحقوق الإنسانية، الحق بأن لا يطردني أحد من بيتي وأرضي فقط لأنه يستطيع ذلك و لعدم قدرتي على التشبث بحقوقي!


لماذا يحق للحركة الصهيونية الادعاء بحق اليهود التاريخي العودة إلى "أرض الميعاد" التي لم ينسوها طيلة آلاف من السنين ولا يحق ذلك للعرب المسلمين وغير المسلمين الذين أيضا عاشوا على هذه الأرض ذاتها أيضا لآلاف من السنين؟! ومن قال أن هؤلاء النصارى و من ثم المسلمين ليسوا أساساَ و بنسبة كبيرة من جذور يهودية، واختاروا أن يؤمنوا بالمسيح و من ثم اختاروا أن يؤمنوا بمحمد؟! من قال أن الفلسطينيين لم تكن جذورهم يهودية أو على الأقل نسبة كبيرة منهم وبفعل التحولات التاريخية الطويلة استمروا بالبقاء في أراضيهم و تغيرت معتقداتهم فكان منهم المسيحيون والمسلمون، وهم كانوا دوما أصحاب الأرض وما زالوا!


عندما تم تهجير الفلسطينيين أصحاب الأرض بشتى الطرق الوحشية من مجازر و تجويع و تهجير وحصار، هم كانوا ليس فقط من الجيل الرابع أو الخامس الذي ولد على تلك الأرض، هم كانو من الجيل ما بعد الخمسين ربما! إلا أن هذا يتم تناسيه عندما نشعر بالأسى للجيل الرابع أو الخامس الذي ولد على أرض لم تتوقف فيها حرب الاحتلال والاستيطان والتهجير منذ بدأت عصابات الهاغاناه والشتيرن بحصد أرواح العزل السذج قبل ما يقارب الستين عاماَ!! فما نقول لأصحاب الأرض؟! ما نقول لهم! ما نقول!


أنستجدي الجولان؟... لمَ؟ وهل نظام الحكم الذي سلم الجولان لقمة سائغة وعلى طبق من ذهب لإسرائيل مهتم فعلا بعودة الجولان؟ أو بالحياة الكريمة لأهل الجولان؟ لم هذا الاستخفاف بعقولنا؟ لا أدري!


ما أقوله لمن يملك القليل من الضمير والعقل السليم ممن يقال له "مواطن إسرائيلي" هو:


إن أعاد المحتل الأرض التي اغتصبها بشرعية قانون الغاب إلى أصحابها فهذا فعل إنساني بديهي ويحمل مصداقيته في نفسه، فالدليل على سطوع الشمس هو سطوعها بحد ذاته، أما إن احتاج النهار إلى دليل على أنه نهار فهنا الطامة الكبرى! إن القيام بالفعل الذي تعارف البشر جميعا على صحته وشرعيته جيلا بعد جيل أحقابا من بعد أحقاب ودهرا بعد دهر ، أمر لا يُنتظر مقابله الشكر والعرفان بل هو الأمر البدهي الطبيعي، وعكسه هو الأمر الهجين.


وإن أصر المحتل على غصب الحقوق والأرض بغير الحق، فما نقول إلا... بؤسا للبشرية التي لم ترق بعد للسوية التي تحفظ دماء وأموال وحقوق وأعراض بعضها البعض! ولكن هي دورة التاريخ ستدركنا وتجرفنا بحتميتها إن لم نختر أن نكون فاعلين وليس منفعلين! وإسرائيل تحفر كل يوم قبرها بيديها بكل إخلاص وتضحية، والتاريخ يضحك ويذرف الدموع في الآن ذاته على المأساة الكوميدية السوداء التي حشر بني آدم أنفسهم في زاويتها.


إن أرجعتم الجولان أحسنتم لأنفسكم وإن لم ترجعوها فقد أسأتم لأنفسكم قبل أن تسيئوا لغيركم وإن لم نستطع اليوم أن نحصل على حقنا، فسيأتي زمن يمنحنا القوة ويتواطأ معنا كما تواطأ معكم لكن الذي سيدفع الثمن من إنسانيته وجوهره هو كلانا، نحن وأنتم... كما ندفع اليوم جميعنا على وجه هذه البسيطة ثمن ضيق الأفق وقلة الصبر واتباع الأهواء والأطماع وطاعة أهل الجشع الذي لا ترويه كل دماء المعذبين!


ونفس وما سوّاها

فألهمها فجورها وتقواها

قد أفلح من زكاها

وقد خاب من دساّها

Saturday, June 16, 2007

تجربتي المنقضية مع حزب التحرير وتداعياتها - الجزء الأول

قراءة في صفحات الذاكرة ...لقاء مع معتقل سياسي سابق

قليلة هي القصص الواقعية التي نسمعها أو نطالعها حول ناشطين سوريين سبق لهم أن خبروا تجربة الاعتقال السياسي المترتب على انتمائهم لتيارات إسلام سياسي محظورة كما هي الحال بالنسبة لحزب التحرير. ورغم أن من نلتقيه اليوم يرفض وضع تجربته الفكرية والثقافية الحراكية وتأطيرها وتلوينها بلون أحادي (حزب التحرير) خصوصا عندما نعلم أن فترة احتكاكه مع الحزب المذكور تعد من الخبرات القديمة والمنتهية عمليا بالنسبة له؛ إلا أن تسليط ضوء النقد على تجربة كتلك بسلبياتها وإيجابياتها هو أمر نحتاجه لمعرفة المزيد عن آليات وأنماط ثقافية واجتماعية وما رافقها من ظروف موضوعية خارجية أدت وربما ما تزال حتى الساعة إلى ازدياد أعداد المنخرطين أو المستطلعين للالتحاق بصفوف تيارات الإسلام السياسي المتنوعة والمتفاوتة، والتي يتنامى تأثيرها و تواجدها بشكل محسوس في أوساط المجتمعات العربية المتدينة، وخصوصا بعد أن وصلت خطابات وشعارات بقية التيارات إلى حالة من العطالة إن لم نقل العقم بل و حتى في بعض الحالات إلى الخيانة التامة لنفس المبادئ التي بنت خطابها وأرضيتها الجماهيرية عليها.

همّام يوسف هو صاحب القصة التي سنتابع بعض تفاصيلها هنا، ولا يخالطنا الشك أن ما طرحناه من أسئلة ليس الغرض منه اختزاله إلى أبعاد محدودة تفرضها طبيعة الأسئلة، بقدر ما هي بوابة للولوج إلى "كون" هذا الفرد وتقاطعات عالمه مع العالم الخارجي بل مع عوالم جميع الذين أحاطوا به وما زالوا.

ولد همّام لأسرة متدينة قارئة متعلمة، ونشأ في مدينة دمشق وتعلم في مدارسها وعاش في أجوائها، أنهى دراسته الجامعية في كلية الهندسة المعمارية في جامعة دمشق في أوائل التسعينيات. وكان اعتقال والده في أوائل الثمانينيات هو المرة الأولى التي يختبر بها تجربة الاعتقال السياسي، ومن ثم جاء اعتقاله هو نفسه في نهاية عام 1999 ليضعه في خضم هذه التجربة. يؤمن همّام بمبدأ اللاعنف والتغيير السلمي على الصعيد الاجتماعي/ السياسي، ويؤمن ويدعو إلى "إيجاد الآخر" فضلا عن القبول به، وما يزال يتمسك بجذوره الإسلامية وكتابه المقدس "القرآن الكريم" بل يعتبر هذه الجذور أساسا راسخا يكرس العدل والسلم والتنمية، بل بوابة واسعة لحرية الإنسان في مختلف أوجهها.

لهمّام مدونة على الشبكة العالمية يودع فيها من آن لآخر ما يعبر عن بعض ما يعتلج في صدره أو ما يراه ضروريا لتكريس ثقافة الانفتاح والقبول بالآخر، إضافة إلى بعض رؤاه في ما يجري من حوله على الساحة السياسية والاجتماعية.

لأسباب مختلفة وخياراته الخاصة يعيش همّام مع زوجته التشيكيّة في براغ، ويتابع من بعد ما يجري في وطنه سوريا ويحاول البقاء على تواصل مع ما يجري هناك تعويضا عن رغبة دفينة بالعودة لا تبارح أفئدة جميع المغتربين عن أوطانهم. إليكم هذا اللقاء.


<>- من كان همّام قبيل تفكيره في الدخول إلى الحزب أو انجذابه إليه؟ عمرك، اهتماماتك، خلفيتك الفكرية، وضعك العائلي والاقتصادي.

كنت في الثامنة عشرة حينها في بداية دراستي الجامعية، وكان التفكير في التغيير أو فعل شيء ما للوقوف في وجه الظلم والبؤس موجود دائما في ذهني ومنذ الصغر حقيقة، فبسبب المفاهيم التي نشأت عليها... أن المسلم يجب أن يهتم بأمور المسلمين ويسعى لنهضتهم ونصرتهم، ولأن والدي سابقا كان من الناشطين إسلاميي التوجه المعروفين، وبسبب تأثيره الكبير على من حوله، حيث استطاع أن يسخر قدرته الأدبية ككاتب إضافة إلى معرفته التاريخية كمؤرخ والعملانية الموضوعية كناشط، في غرس أفكار التمرد على الظلم والقهر في من حوله، وبالأولى أبناءه. ورغم أنه اعتقل إلى غير رجعة -الشيء المألوف عن معتقلي الثمانينات في سورية، رغم أنه لم يكن من الإخوان المسلمين بالمناسبة- عندما كنت في العاشرة، إلا أن تأثيره كان قد نقش في الحجر كما يقال، وربما جاء اعتقاله ليكرس التمرد لدى أبناءه ولدى جميع الذين عرفوه وأحبوه. وقد قيض الله طوال الوقت من يهتم بي كناشيء ويعمل -حسب فهمه واستطاعته- على أن أستمر في العيش والنمو بناءا على الأسس والمفاهيم التي أراد والدي أن أنشأ عليها، كحسن الخلق، التدين والالتزام، والشعور بالمسؤولية تجاه اللآخرين والانهمام بما يصيبهم.

كنت قارئا نهما طوال الوقت، بحكم نشأتي في منزل تكسو جدرانه الكتب المتنوعة المذاهب والاتجاهات والمحاور، وبحكم كون والديّ كلاهما من المثقفين المتعلمين القارئين، وأذكر هنا على سبيل الطرفة أنني ولغيرتي من أختي التي كانت قد قرأت "البؤساء" للكاتب فكتور هوغو ولما تتجاوز الحادية عشرة، أنني عمدت إلى قراءتها في ذلك الوقت وكنت أيضا لم أتجاوز العاشرة. إن هذا الإقبال الشديد على القراءة بحكم النشأة والتشجيع، فتح أبوابا كثيرة للتأمل والتفكير والإطلاع، وكان تعدد وتنوع الاتجاهات الفكرية المتوفرة في مكتبة والدي الخاصة كافيا لعدم احتياجي في الأوقات العصيبة للمخاطرة بجلب كتب مثل: "معالم في الطريق" لسيد قطب، أو كتاب "كيف هدمت الخلافة" أحد كتب حزب التحرير المعتمدة، أو سلسلة كتب "لينيننا" الشيوعية، أو روايات تولستوي الرائعة...الخ. كل ذلك كان في متناول يدي وشكل عاملا مهما في استمرار شعلة التطلع لعالم مختلف عما أقاسيه ويقاسيه أهل بلدي من قمع وإرهاب وتنكيل لم يفرق بين المذنب والبريء، بل أحيانا بين المؤمن وغير المؤمن طالما اشتركا في قول "لا" للظلم والإرهاب والإجرام.

وفي الوقت الذي كان فيه النظام البعثي القمعي في سورية يحاول غسل أدمغة الناشئة، وطمس أي معلم من معالم التمرد والمقاومة والحركية المنبنية على أسس دينية إسلامية بشكل خاص، وأي أساس عقائدي مختلف أو مخالف لأهوائه ويهدد استقراره؛ كانت جهود جميع الذين تشبثوا بالبقاء وانحنوا أمام سيل البروباغاندا الجارف الذي أطلقته أجهزة الإرهاب المخابراتية والحزبية البعثية والطائفية الأسروية؛ كانت جهودهم تنصب في تربية العشرات من الآلاف من اليتامى والثكالى والمساكين، ورعايتهم وتنشئتهم ضمن أجواء جماعية وأنشطة مشتركة دون أن يكون لها طابع سياسي معلن أو واضح رغم أنها كانت حبلى بفكرة العمل الجماعي المنظم طوال الوقت.

وهكذا... وضمن السياق المذكور الذي يحتمل الإثراء بالكثير من التفاصيل التي لا مجال لذكرها في هذه العجالة، من الطبيعي ومن المفروغ منه أن تكون فكرة الانتماء إلى عمل تكتلي منظم ينسجم مع الجذور الثقافية، الدينية والحراكية، أمرا واردا من حيث النتيجة. ...وهكذا كان بالنسبة لي.

<>- كيف بدأ انجذابك إلى الحزب من الناحية العملية؟ أصدقاء؟ صدفة؟ وسائل أخرى؟ وفي أي عام كان ذلك؟

كان ذلك ما بين 1988 و 1989، حيث طرح علي صديق لي يكبرني سنا، الانخراط في دراسة ثقافة ومفاهيم وكتب حزب التحرير بشكل رسمي مع أحد الأشخاص المنتمين تنظيميا بشكل فعلي لحزب التحرير، وكنا قبلها نتدارس أحد كتب الحزب (أنا وهذا الصديق) على أساس اجتهاد شخصي منه، حيث كان هو على صلة بالحزب عن طريق علاقة شخصية وغير تنظيمية أيضاً.

<>- كيف بدأ انجذابك إلى الحزب من الناحية العقلية والنفسية؟ أو بالأحرى، كيف ترى هذا الانجذاب بعد مرور هذه السنوات؟ بدافع القناعة؟ الخلفيةالدينية؟ الوضع السياسي؟ أو أية أسباب أخرى؟

كان الاطلاع على فكر الحزب ومفاهيمه عن طريق الصديق الذي ذكرته سابقا هو البوابة الرئيسية للاهتمام، وكان لما يتمتع به هذا الصديق من قوة في الحجة وسعة الإطلاع وجاذبية كارزمية أيضا دافعا إضافياً. أما الناحية العقلية (الفكرية) فإن الأفكار التأسيسية للحزب ما هي إلا استمرار للبناء على المعتقدات والمفاهيم التي يحملها أي فرد ذو نشأة أو خلفية ثقافية إسلامية... الأمر الذي ينطبق على جميع المسلمين ابتداءا، أما من الناحية النفسية فلا شك أن الشعور بالانتماء إلى كيان أكبر وتلبية الحاجة الغرائزية للتواجد ضمن مجموعة متناغمة و متعاونة من الأفراد يؤطرها نسق فكري واحد؛ هو الدافع النفسي وراء الانجذاب إلى فكرة الانخراط في حزب معين، ولا أغفل عامل القطيع في ذلك أيضا.

وأود أن أذكر هنا هو أن عملية التسويق لهذا الحزب كانت ذات أثر كبير في التشجيع على الانضمام له، حيث صوّر لي الوضع على أن الأمر هو مسألة وقت فقط، وما أن يطلق البيان رقم "1" من الإذاعة مابين ليلة و وضحاها، معلنا نجاح الحزب في الانقلاب ومستهلا بداية دولة الخلافة الاسلامية التي طال انتظارها، فإن الحزب على أتم الجهوزية لذلك، بل لديه كادر مستعد لمباشرة مهامه من الوزراء في جميع الأصعدة في اليوم ذاته.

وأظن أن جميع الدوافع التي ذكرتِها كان لها دور بدرجة معينة، وتكاتفت كل هذه الدوافع لتوصل إلى النتيجة النهائية وهي قراري بمباشرة الاحتكاك مع الحزب كـ "دارس" بداية، ومن ثم احتمال الاستمرار كحزبي إن عرض الأمر علي ولاقى قبولا لدي حال حصوله، وهو مالم يتم.

<>- لماذا هذا الحزب دون غيره؟

لأسباب مهمة منها أن احتمال الانخراط في تنظيم غير إسلامي أو غير مبني على أسس إسلامية هو أمر غير وارد بطبيعة الحال والنشأة، وهذا يخرج من الحسبان جميع التوجهات العلمانية، الاشتراكية أو الشيوعية، لأنها ترفض التدين (رغم أنها عقائدية في كثير من الأحيان) من حيث مبادئها ومنطلقاتها؛ مما يبقي في المعادلة الحركات ذات التوجهات الإسلامية الثورية الراديكالية، الاجتماعية التربوية والحركية السياسية؛ وللحقيقة فقد كان لي اطلاع على الاتجاهات الثلاثة الآنفة الذكر وقد أفادتني أدبياتهم وطروحاتهم النظرية بمقدار كبير وربما دفعتني أيضا (رغم أن ما أقوله قد يثير الاستغراب) لاستطلاع فكر حزب التحرير وتلمس مكامن القوة فيه. وأنا أعتقد بناءا على خبرتي السابقة مع حزب التحرير أن البنية الفكرية والسياسية الحزبية استطاعت أن تثبت قوتها وقدرتها، وفي مواضع متنوعة مرونتها وقدرتها العالية على الاجتهاد المنفتح، بل ربما تفوّقها لدى حزب التحرير من الناحية السياسية على بقية الحركات الأخرى، وأستطيع القول أن حزب التحرير من الناحية الهيكلية كحزب سياسي ومن الناحية العملية كصاحب مشروع تغيير سياسي واجتماعي، له كيان واضح ومتبلور يمكن التعامل معه ووضعه تحت المجهر ودراسته على عكس أقوى المنافسين له (من وجهة نظري) جماعة الإخوان المسلمين. فلحزب التحرير جميع مقومات أي حزب سياسي ذو مشروع واضح بأجندة واضحة، وبمشروع واضح مبني على أسس نظرية موجودة في كتب الحزب القديمة والحديثة أو المتبناة، بغض النظر على موافقتي أو عدمها على هذه الأسس النظرية أو تلك، أو هذه المفاهيم التأسيسية أو تلك. وأود ألا يفهم من كلامي التقليل من شأن جهة على حساب جهة أخرى.

Monday, April 30, 2007

!..الوطنيّة كما أراها أنا أيضا

يوم الوطنيين: أوقفوا العنف
إيمي غودمان
ترجمة همّام يوسف

في يوم الوطنيين، صعد المؤرخ هوارد زين منصة قاعة فانويل هول الشهيرة في بوسطن، في المناسبة التي تحتفي بها ماساشوستس إحياءا لذكرى انطلاقة الثورة الأمريكية.

"صوت الطلقة الأولى سمع في أنحاء العالم،" أول طلقة في تللك الثورة، كانت في اليوم التاسع عشر من نيسان لعام 1775، في كونكورد، ماساشوستس.

تكلمَ عن مفهوم الوطنية: "ما الوطنية، وما الذي ليس كذلك؟ من هو الوطني، ومن ليس بوطني؟"

"الوطنية هي أن تعارض. إنها تتعلق بالنقد وبالعصيان المدني،" أبتدأ زين كلامه. وليس بعيدا من فانويل هول، بنى هنري ديفيد ثورو، الذي كان قد ولِدَ في كونكورد، كوخا صغيرا بمحاذاة والدن بوند. ثورو [الذي] كتب "العصيان المدني،" الكتاب الذي أثر بشكل جذري على موهاندس غاندي، ومارتن لوثر كِنغ جونيور. تابع زين، "تم إلقاء القبض عليه لعدم دفعه الضرائب، لأنه كان يحتج على الحرب الأمريكية المكسيكية، بالطريقة ذاتها التي يتبعها المحتجون اليوم على الحرب في العراق." ذهب ثورو إلى السجن. وأثناء وجوده هناك، قيل أن معلمه الكاتب رالف والدو إمرسون قد سأل ثورو، "هنري، مالذي تفعله داخل هذا المكان؟" ثورو أجابه، "بل مالذي تفعله خارجه؟"

كتاب زين "A People’s History of the United States" بمبيعات تفوق المليون ونصف نسخة، هو من أساسيات القراءة لكل من يأمل أن يفهم بحق، الولايات المتحدة في موقعها الحالي كقوة عظمى. فهو يقص حكاية أمريكا، من القاعدة إلى أعلى. زين، إبن الرابعة والثمانين، بابتسامة جدٍّ ودهاء ذاتي الصنعة، يحطم بتأكيد أعلام التاريخ الأمريكي، نازعا ستر الأساطير التي غالبا ما تستخدم للدفاع عن السياسات البائسة.

زين تابع عرفانه للوطنيين، من مثل هلين كيللر. كلنا قد تعلمنا أنها كانت صماء عمياء، وعلى الرغم من ذلك تابعت نحو نجاح كبير. الذي لا تعلمه المناهج المدرسية للأطفال، يقول زين، هو حول مفاهيمها السياسية المتأصلة. "هيلين كيللر كانت وطنية. كانت ثورية، مثقِفة، تحريضية و مجتمعيه. وقد تكلمت في كارنيغي هول ضد الحرب، وآزرت اتحادات العمال في زمنها. وهي رفضت أن تعبر طوقا ضرب حول مسرح كان يعرض عملا عنها."

أثنى زين على وطنية مارك تواين. توين رفع صوته بعد أن هنأ الرئيس ثيودور روزفلت جنرالا شارك في مذبحة في الفيليبين عام 1906. وقد تلا الراحل كورت فونيغوت، أحد محاربي الحرب العالمية الثانية، كلمات تواين هذه في حدث يحتفي بأعمال زين: "من اللازم، يبدو لي، أن يشرفنا و يتوجب علينا أن نساعد بتحرير هؤلاء الناس، وندعهم يتعاملون مع مشاكلهم المحلية يطريقتهم هم؛ وبناءا عليه... أكون مقارعا للامبريالية. أنا أعارض أن يضع النسر مخالبه على أية أراض أخرى."

بينما كان زين يتكلم مساء الإثنين، كان إحصاء القتلى يجري في بلاكسبورغ، فرجينيا، من بعد ثورة إطلاق النيران المروعة في فرجينيا تيك. كان العدد 32 قتيلا، بمن فيهم القاتل نفسه، الذي كان أيضا طالبا في الجامعة. وعدتُ بتفكيري لثلاثة شهور خلت، إلى رعب مماثل. لكن تلك المرة جرى في بغداد، في جامعة المستنصرية. إذ في السادس عشر من يونيو (كانون الثاني)، قتل إنفجارين مزدوجين لسيارة ملغومة وهجوم انتحاري 70 طالباً. كان معظم القتلى من الطالبات اليافعات أثناء مغادرتهن محاضراتهن.

يتفجع بلدنا على الذين ماتوا في فرجينيا تيك، في الوقت ذاته الذي تعودنا فيه على المذابح اليومية في العراق. تخيلوا هجمات بحجم [حادثة فرجينيا] تنال من الشباب العراقي يوما تلو الآخر.

زين شهد الحرب، وشهد آثارها. وهو شهد النزاع المدني العنيف في الولايات المتحدة. وهو يقول أن الجواب يكمن في إبراز تلك الأصوات التي تقول "لا" للعنف:

"إن طمس أو تقليص أصوات المقاومة تلك يعني صنع الفكرة القائلة أن القوة تكمن فقط لدى أولئك المالكين للبنادق. ...أريد إيضاح أن الناس الذين يبدون أنهم لا يملكون أية قوة، من العمال، أو من الملونين أو النساء- ما أن ينتظموا ويحتجّوا و يصنعوا حراكاً- إن لهم صوتا لا يمكن لأية حكومة أن تخمده."

النضال لأجل إيقاف الحرب في العراق، والنضال لإيقاف عنف السلاح في البلاد: لا شيء [آخر] يمكن أن يكون أكثر وطنية.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقراءة المقال الأصلي بالانكليزية إضغط >>> هنــا
<<<

.

Tuesday, April 24, 2007

إيمانا بالله... إيمانا بالحرية



سبع سنوات عجاف أخرى ستنتهي قريبا... وسبع عجاف أخرى ستبتديء قريبا... والبقرات السمان تستمر في أكل البقرات اللاتي لا تزددن إلا نحولاً... ومازالت السنون تجري وأعمار الرجال والنساء والولدان تتقلص متسارعة نحو نهاياتها البئيسة.


في الغيتو، تذوي أجساد المُعلَمين[بفتح اللام] وأرواحهم وهم ينتظرون الفرج من السماء، أو ينتظرون أخلاء فقدوهم اقتيدوا إلى غرف الغاز، أو أحبّاء اقتيدوا إلى غياهب زنازين الأقبية الرطبة المظلمة، حيث يتوقع لهم أن يذبلوا بالتدريج إلى أن ترتمي بقايا أجسادهم بتباطؤ صامت لتعانق الأرض التي كانوا منها وإليها يعودون، وهم يزفرون بارتياح للنهاية التي طالما فضلوها على حياة السواد والرعب التي أُلقوا فيها؛ و ينتظر المعَلَمون بيأس أيضا أن يحل بهم المصير المشابه تماما. فليس هناك خيارات أخرى سوى انتظار النهاية القميئة التي ستأتي حتما، عفوا أو إكراهاً... ستأتي.


في الغيتو، يتسكع الرجال والنساء في الحارات والأزقة، ويهيمون على وجوههم لا ينظرون أثناء سيرهم لأبعد من مواطئ أقدامهم، ولا يكترثون لسطوع الشمس حين تبزغ من بين السحب السوداء الكثيفة لتملأ الساحات بالبياض، لأن السواد والرطوبة العفنة قد ملأت صدورهم واجتاحت أحلامهم، وعوّدهم اليأس وتكرار المشاهد اليومية الفقيرة بالأمل على ألا ترتسم على وجوههم حتى ابتسامة صفراء واهنة لرؤية الأطفال المتراكضين، الذين لا تسلية لديهم إلا ركل وحول غيتو الذل والتمرغ فيها. وترتطم الأجساد الهائمة ببعضها من حين لآخر بفعل الصدفة لا التقصد، فلا يندّ عن الألسنة الواهنة إلا غمغمة مفعمة باللامبالاة القطبية البرودة، وتستمر الخطى لتتلاشى في العتمة.


في الغيتو، يبيعون ويشترون. يأكلون الخبز الساخن الطازج لكنهم دوما يشعرون بمذاقه باردا مملا واعتياديا. يذهبون لمشاهدة الأفلام التي تتحدث عن بلدان ماوراء الأسوار والحريات التي لا يحدها إلا الأفق، فتصيبهم رعشة حرية يدمنون عليها رغم يقينهم أنها زائلة، وأنها لن تخلف وراءها إلا مرارة الذكرى، إلا أنهم يعودون مرة أخرى... وأخرى... وتزداد المرارة شدة ويزداد القنوط كثافة، ويزداد اللون القاتم القابع في الصدور ثقلا يتوق للانمحاق في الأرض.


في الغيتو، يتسامرون يتحادثون يهرجون ويتلاسنون، أصدقاءُ هم... لكنهم من بعضهم حذرون، تشوب نظراتهم دوما مسحة من الريبة والخوف المستكين، فلا يعلم أحدَهم من سيشتري بأحدِهم دراجةً هوائية أو وجبة عشاء باردة. لهم أن يحركوا شفاههم و يصدروا بعض الأصوات من حناجرهم، لكنها لضعفها لا تتجاوز مسامعهم ويسود الصمت. ويجتمعون دون أن يكونوا معا عندما يتحدثون، ثم يصمتون... فتلفهم وَحدَة الصمت فيلوذون بها، ويشعرون بحبهم للصامتين الآخرين فيتماسكون بصمتهم وبه يتمسكون.


في الغيتو، يتبادلون الحب، وأجمل تبادله بين العيون، فتقلقهم دوما نظراتهم الساهمة التي يصطرع فيها البياض مع السواد و يخالطها دوما أفق يأس دائم الحضور... وتعلن أجسادهم سيطرتها إلى حين... وتعترك وتصطرع، وكل منهم يحاول أن يختبئ في أحشاء الآخر ليختفي في ثناياه، في بحث حيواني عن الأمن والأحلام الهادئة الزرقاء، وتتعلق أنفاسهم بلحيظة أمل، ممزوجة بل مترعة بإدراك خفي عنيد... أن لا أمل... فيبكون.





حبيبتي بلادي، حبيبتي كل مدينة فيك، وحبيبتي أسوارك التي كانت ملاذ أهلها وأمنهم. ودارت أيام الزمان، وتسلق القرود على الحيطان، وتربع الغول على العرش فأصبح ملك الزمان، فتحولت أسوار الأمان والمنعة إلى أسوار غيتو كبير، ترتع داخله الأجساد الهائمة على وجوهها إلى حين... والغول يضحك وينتفخ، ويمدّه الشعب الأسير في كل وقت بما يحتاجه من نسغ الحياة والرحيق... ومن آن لآن... بأعوان صغار من الغيلان.


لكن آن الأوان حبيبتي دمشق آن الأوان.


أيا بلاد الشام حطّمي أسوارك التي بنيتها بيداك لأن الوقت حان. وقولي كفى للغيلان، كفى للطغيان، كفى لسماسرة البشر والأوطان. ومزقي أسمالك و شرّعي ذراعيك و وجهك وصدرك للشمس ولا تستسلمي للنوم بعد الآن. لا نوم بعد الآن.


يريد ضعاف النفوس صغار الغيلان أن تنامي مرة أخرى لسبع سنين. وتلقي بآمالك أحلامك رجالك نسائك شبابك و أطفالك، وليمة سائغة لبضعة الكبار من الغيلان. فأعلنيها من مآذن ونواقيس العزة في الشام التي أحبت الله وحده وعبدته وحده، فأعتقتها حريتها في عبوديتها له وحده، من عبوديتها لكل الحريات الممنوحة لها من الغيلان على طول التاريخ من البيزنطيين والبعثيين والرومان.


لا نوم بعد الآن.


هل يستوي خطاب القسم الروماني بكلمة من القرآن!


* لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *


* أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ *


لا نوم بعد الآن


ولا طاعة حتى للوالدين إن أمرا بما يخالف العبودية للحرية، فما بالكم بمن يطلب الطاعة في استعباد الناس والأوطان.


* وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ *


وما بالكم بالمجرمين منتهكي حقوق الإنسان، الذين ينقمون من المجاهرين بالحق، بل من المطالبين بالإصلاح الداعين إلى تطهير مجتمعاتهم من الرشوة والفساد والقذارة والمحسوبيات والاحتلال. فبطشوا بهم وتهمتهم هي: * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فالفاسد لا يربكه ويقلقه أكثر من رؤية الذين لا يفسدون، ويستخدم أحاييله وإغواءاته ليزيد من الفاسدين ويقلص من المتطهرين.


لا نوم بعد الآن


إن ما جرى من المهازل الانتخابية طوال حكم البعث ما قبل وبعد حافظ الأسد، والمهزلة التي حدثت مؤخراً ما بعد بشار الأسد، والمهزلة التي من المقرر لها أن تحدث قريبا والتي يقال لها "استفتاء" ومن المفروغ منها أنها ستكرس حكم الغيلان سواء رضي الناس أم لم يرضوا. لهي الدافع الأكبر والوحيد على أن تثبت بلاد الشام، بلاد جميع أبنائها وطوائفها وإثنياتها أنها لا تطيع ولن تطيع.


إن لم تستطيعوا التصريح بـ "لا"

فلا تعطوهم قبولكم بهم وبجرائمهم بكلمة "نعم"


قاطعوهم... يخزهم الله بصمتكم


لا نوم بعد الآن


.

Wednesday, March 07, 2007

!! الولايات المتحدة تموّل القاعدة



الولايات المتحدة تموّل بشكل غير مباشر مجوعات سنية على صلات بالقاعدة، في عمل لمواجهة إيران.

من موقع الديموقراطية الآن "ديموكراسي ناو"
ترجمة مقتطفات: همّام يوسف

المحقق الصحفي سيمور هيرش ينضم إلينا للحديث عن مقاله المثير الذي نشر في مجلة ذا نيو يوركر. يذكر هيرش أن قرار جون نيغروبونتي بالاستقالة من منصبه كـ مدير الاستخبارات الوطنية، يعود جزئيا إلى العميات السرية التي تقوم بها إدارة بوش، بما فيها التمويل غير المباشر لمجموعات سنية راديكالية –بعضها ذو صلات مع القاعدة- لمواجهة مجموعات مدعومة من إيران. ويورد هيرش أيضا أن البنتاغون قد أنشأ مجموعة تخطيط خاصة لرسم خطة قصف بالقنابل في هجوم يستهدف إيران، وأن فرقا من الجيش الأمريكي والعمليات الخاصة قد عبرت الحدود إلى داخل إيران لتجنيد عملاء إيرانيين.

إيمي غودمان: سيمور هيرش صحفي حائز على جائزة البوليتزر يعمل في مجلة ذا نيو يوركر، ينضم إلينا الآن من واشنطن، دي. سي. أهلا بك في "ديموكراسي ناو" سيـ هيرش.

هيرش: صباح الخير.

إيمي: من الجميل اللقاء بك بعد عودتك من مصر.

هيرش: نعم، هذا صحيح.

إيمي: تكلم عما وجدته. إبدأ بما يخص جون نيغربونتي.

هيرش: حسنا، أنا لم أتحدث إليه. هو لم ينكر القصة. هو ببساطة رفض التعليق عندما أرسلت الـ نيو يوركر مجموعة من الأسئلة إلى مكتبه في مبنى إدارة الدولة. بشكل أساسي، كان هناك ببساطة سببين لرغبته بترك عمله، العمل الذي –الذي سمعته للتو- أخذه مكونيل من بعده. الأول هو أنه لم يتوافق بشكل جيد مع "تشيني"، لأنه كان يعد حرفي التمسك بالنظام، أو "قوانيني" تعبير آخر استخدم لوصفه، بما يتعلق بمنح الموافقة على بعض العمليات السرية والخفية للبنتاغون. كما يعلم العديد، فالبنتاغون كان يجري عمليات دون أي إشراف من الكونغرس لسنوات الآن –وقد تمت الكتابة حول هذا- على ذريعة أن هذا كله جزء من الحرب، تهيئة ساحة المعركة، ما له علاقة بالشؤون العسكرية، وليس الاستخباراتية، ولذلك، بما أنها [العمليلت] لم تكن استخباراتية، لم يكن هناك من سبب للتقيد بقانون الإخبار عن العمليات الاستخباراتية السرية. كانت ببساطة أنشطة عسكرية يمكن للرئيس المصادقة عليها دون الكونغرس. هو [نيغروبونتي] لم يوافق على هذا. لم يوافق. أعتقد أنه بالإمكان القول أن نيغروبونتي وجد بعض العمليات خطرة و ربما أيضا غير قانونية . لكن التي أزعجته بشكل كبير هي العمليات السرية التي نقوم بها في أماكن متعدده في الشرق الأوسط، التي تستهدف الإيرانيين والشيعة بتمويل يستخدمه "بندر" بشكل جزئي.
أيضا، إيمي، علي أن أذكر أمرا واحدا لأصحح ما قلتِه في الافتتاحية، فقط لتدقيقه. فالأمر ليس كما لو أننا سنجد أي دليل على أن الأموال الأمريكية ذهبت إلى مجموعات جهادية إرهابية في لبنان، الأمر الذي أزعمه أنا. ليس هناك أية صلة مباشرة. ما هناك هو تدفق لأموال أمريكية دون أن تمر عبر موافقة الكونغرس، تصب في حكومة لبنان، التي هي سنيّة، حكومة رئيس الوزراء السنيورة. وهم، بدورهم، يمررونها لعدة –على الأقل ثلاث مجموعات جهادية سنية.

إيمي: الآن، أشرح لنا –بداية، أنت ذكرت الأمير بندر، هذا، السفير السابق إلى الولايات المتحدة.

هيرش: إثنان وعشرون عاما هنا، نعم.

إيمي: المعروف بـ "بندر بوش"

هيرش: ليس من طرفي.

إيمي: إذا هو السفير الذي جلس إلى الرئيس بوش بعد عدة أيام من هجمات الحادي عشر من أيلول، بينما كانا يدخنان السيجار، في البيت الأبيض.

هيرش: حسنا، هو مقرب جدا لـ "تشيني". كان سفيرا هنا لاثنتين وعشرين سنة. غادر منذ بضعة سنوات، استبدل برجل يدعى الأمير "تركي"، عضو بارز في العائلة المالكة، وكان رئيس الاستخبارات في الحكومة السعودية، وأيضا كان سفيرا في لندن. جاء "تركي" ومن ثم استقال بعد أقل من سنتين في منصبه، لأن "بندر" حظي ببوابة خلفية او علاقة خصوصية مع العديد من الأشخاص في الإدارة [الأمريكية]. هو [بندر] كان يلتقي بـ "تشيني" دون أن يعلم "تركي". تعرفين، كان يحضّر للقاءات. وهكذا "بندر" حظي بعلاقة شخص لشخص (أفترض) مع الرئيس –أستطيع القول مبدئيا مع تشيني- وأيضا مقرب جدا من أعضاء محددون داخل البيت الأبيض، بمن فيهم "إليوت آبرامز"، الذي كان –الذي هو الآن- أظن أنه المستشار الأول حول الشرق الأوسط لمجلس الأمن القومي، و نائب مستشار الرئيس للأمن القومي.

إيمي: إذا، ماهو بدقة موقع الأمير بندر-هو ليس السفير [السعودي] بعد الآن- بعد عودته للمملكة السعودية؟

هيرش: حسنا، تعلمين، "بدقة،" لا أعرف. نحن نتكلم عن عالم شديد الضبابية، حيث لا أحد يود الحديث عنه بشكل رسمي، وحتى غير رسمي، ماعدا بعض الأشخاص. بكلمات أخرى، أنا لاأستطيع الذهاب إلى حكومة المملكة السعودية وأقول، "أعطوني شرحا لما يجري." هذا فقط –تعلمين، إنسي ذلك. نحن نحاول.
بندر غادر من هنا وظن الجميع أن سيرته العملية قد انتهت، بمن فيهم –هو نفسه. لكن انتهى به المطاف بتسميته مستشارا للأمن القومي [السعودي]. وللمفاجأة، في الشهور الثلاثة أو الأربعة الأخيرة برز كلاعب أساسي لصالح الولايات المتحدة. وقد التقى بالإسرائيليين. الذي حدث ببساطة أن الرئيس قرر في وقت ما من الأشهر الثلاثة أو الأربعة الماضية، وربما أبكر من ذلك، لكن فعّل ذلك في الفترة المذكورة، قرر أن يعمل مع البريطانيين، المملكة المتحدة، والإسرائيليين، ويأتلفوا –مجموع هذه الدول الثلاث يأتلفوا مع ما نسميهم الحكومات السنية المعتدلة- أي، مصر، الأردن والمملكة السعودية –جميعهم سنيون بشكل طاغي؛ هذه الدول الستّ ستعمل سوية ضد الشيعة وضد إيران بشكل متكاتف.
وفي لبنان، على سبيل المثال، يوجد مواجهة متكافئة –صار له شهور الآن- بالتالي حقيقة مواجهة سياسية بين حكومة السنيورة، "السنيّة،" التي تناصرنا وندعمها، وبين حلف يرأسه حزب الله، الكتلة الشيعية التي دائما ما وصفناها بالمجموعة الإرهابية، والتي كانت مجموعة إرهابية لكن الآن وللسنوات الستّ أو السبع الماضية تنشط محليا وسياسيا في الداخل اللبناني و بإمكانات كبيرة.

نحن أيضا نعمل ضد نظام بشار الأسد في سوريا. هو ليس سنيا، هو حقيقية من الطائفة العلوية، التي هي أيضا أقلية وفي المحيط السني –تعلمين، في العالم السني، بالنسبة للجهاديين السنيين، إن لم تكن سنياً ولم تؤيد وجهات نظرهم الخاصة، ومنظورهم السياسي للقرآن، أنت كافر، وبالتالي يمكن التخلص منك. وكـ "علوي،" بشار الأسد يخضع للمنطق ذاته. وأيضا بالطبع الجميع قد استهدفوا إيران. وهكذا حصل –في مقالي سميته "إعادة توجيه." هذا ما يطلقون عليه في البيت الأبيض. قد طرأ تحول هائل لمحط الانتباه من العراق إلى إيران، وباتجاه حزب الله في لبنان وتجاه فعل شيء بخصوص "الأسد."

إيمي: إذاً من الذي يتلقى الأموال في لبنان الآن تحديداً؟

هيرش: حسناً، هي أموال تتدفق إلى الداخل، أموال خفيّة. جزء كبير منها جاء –هذا كله ابتدأ في لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري، الذي حدث منذ عامين في شباط سنة 2005. على الفور، نحن، الولايات المتحدة وحلفاؤها، ألقينا باللوم على سوريا. لا يوجد دليل دامغ أن سوريا فعلتها. رغم أنها تبدو وجهة النظر الغالبة، لكن ليس هناك دليل. حدث الكثير من الإغتيالات السياسية في لبنان. هناك ما يقارب العشرون اغتيالا وقع في السنوات العشر الأخيرة. هذا فقط أحد الأوجه. وما حدث هو أن الحكومة السنيّة هناك أصبحت حليفا كبيراً لنا، وقمنا بعمل كل مايمكن فعله لدعمها. وقد أغرقنا –إن كان هناك من أحد- أظن أطلقنا عليها ثورة الأرز! وكانت بشكل ما –الحكومة السنيّة بمواجهة نصرالله، الذي نراه على أنه تهديد إرهابي أساسي.

وأظن، عليّ أن أخبرك، أستطرد لبرهة لأقول أنني لا أعلم شيئا عن "بوش." لكن أعلم شيئا ما عما يفكر به "تشيني،" وهذا من منطلق معرفة أشخاص يتمتعون بقنوات مباشرة. وتشيني يؤمن بأن –قناعة تشيني الراسخة أن إيران سوف تتوصل لامتلاك قنبلة، بغض النظر عن المعلومات الاستخبارية. كما تعلمين، ليس هناك استخبارات كافية تدعم حقيقة امتلاكهم لقنبلة. إيران سوف تمتلك قنبلة، وحين تحصل عليها، عميلها، أو "قوات الصاعقة" التابعين لها [تعبير مأخوذ من الفترة النازية في ألمانيا، وكان حرفياً: القمصان البنيّة] –هذه بالمناسبة العبارة التي استخدموها على الأقل مرة أو مرتين في البيت الأبيض- قمصان [إيران] البنية سيكونوا حزب الله. وهم لديهم الإمكانيات في أمريكا. لديهم تسهيلات في الخفاء، خلايا هنا، وعندما تمتلك إيران القنبلة، سيعطونها لحزب الله لتوزيعها، و واشنطن ونيويورك غير حصينتين.
بكلمات أخرى، "تشيني" يرى ما يجري الآن على أنه تهديد مباشر للولايات المتحدة الأمريكية. هو لا يراه على أنه ببساطة أمر يجري في أوربا الغربية أو الشرق الأوسط. هو يحمي أمريكا باتخاذ موقف إستباقي، مبادر "الآن."

وهكذا، في لبنان، ما أن سقط الحريري وخلقت أزمة هناك، سارعنا بالتحرك والوقوف لجانب أية مجموعة تناكف نصر الله وحزب الله. وبناء عليه، أهرقنا الكثير من الأموال، أموال محرمة. لم تكن مرخصة من الكونغرس. أموال كانت تهطل عليهم. تم زرع أعضاء متقاعدون سابقون في السي آي إيه هناك. أشخاص متقاعدون ذهبوا للبنان، من وكالات أخرى. التمويل جاء، من حيث لا يعلم الكثيرون بالتأكيد من أين. يتواجد الكثير من المنابع للأموال القذرة، الوفير من الأموال. وبدون شك، بعضها جاء، يقال لي، من العراق. ما أقصده، كما تعلمين، في الأسبوع الماضي كانت هناك جلسات للتمحيص أظهرت أن هناك 9 مليارات من اموال النفط العراقي اختفت بشكل غامض ولم يتم المحاسبة بشأنها. بعض هذه الأموال تم تبييضه هنا وهناك. وأيضا هناك أموال كثيرة تم العثور عليها بعد سقوط صدام. وجدنا عدة مخابيء احتوت على مبالغ طائلة، تعرفين، مئات بل مليارات الدولارات في بعض الحالات، من العملة. وأيضا وجدنا أموالاً في وزارات عديدة.

ليس هناك حقيقة أية محاسبة، والكثير منها قد يكون آل به المطاف إلى منابع الأموال القذرة. لكن مازال غير واضحا من أين أتت الأموال، وليس من المطلوب أن يكون مصدرها واضحا. ما تفعلينه هو أن تغسلي الأموال داخليا. تمررينها لأشخاص معينيين. وتقوم الحكومة اللبنانية بتعهيد أفراد أمنها الداخليين.

ما نقوم به الآن هو، في السنوات البضع الأخيرة، أو أحدث من ذلك، في فترة السنة الماضية، ثلاثة مجموعات جهاديّة، سنيّة سلفيّة أو وهّابية –هؤلاء هم المذاهب القادمة من العربية السعودية، و لا تنسي، خمسة عشر من أصل تسعة عشر من الذين ارتطموا بالبرجين في نيويورك، كانوا سعوديون من بيئة تشدد ديني –كانوا جهاديّين من- إما من السلفيّين أو الوهّابيّين. ونعلم أن المجموعات الآن –هناك ثلاث مجموعات، متشابهة السمات –وفقا لتقارير قرأتُها، بعض الأعضاء في هذه المجموعات تم تدريبهم في أفغانستان، وعلى صلات قريبة من القاعدة، لكن ليس الجميع. هذه شبكة فضفاضة. ما لدينا في أرجاء العالم هو هذه المجموعات الإرهابية التي تعمل بشكل مستقل عن بن لادن، على الرغم أنه ليس واضحا حقيقة عدم قدرتهم على التواصل بطرق ما. من خلال الشبكة أو ماذا، نحن لسنا متأكدين. لكن هذه المجموعات الثلاث، قبل عامين، كنا لنقوم بكل ما نستطيعه في الولايات المتحدة لإلقاء القبض عليهم وإرسالهم إلى "غيتمو،" غوانتانامو، أو أي مكان آخر. بدلا عن ذلك، نحن نلقي بالأموال في البلد [لبنان]، إلى جوف الحكومة، وإلى جوف جهاز الأمن [اللبناني] الداخلي، ومن ثم تقوم هذه الآليات والميكانيزمات الأمنية الداخلية بتعهد هذه المجموعات. وهم، ما أن عبرت إحدى المجموعات الحدود السورية إلى داخل لبنان، تم تزويدهم بالمواد، والمساكن، الأسلحة والذخيرة. هناك ثلاث مجموعات عاملة على هذه الشاكلة.

ولم هم هناك؟ لأنه في حال سارت الأمور بشكل سيئ في لبنان ونصل إلى حرب أهلية مابين حزب الله وشركاؤه في التحالف وبين الحكومة السنيّة، فهؤلاء هم عصبة من الأشداء الذين يستطيعون التعامل، على ما نعتقد، مع الأشداء من داخل حزب الله. هي نوع من ألعاب المضاهاة. وهكذا فنحن بالنتيجة، نشارك في السرير –تعرفين، عدو عدوكِ هو صديقك.

[الأمير] بندر، كما كنت كتبت في المقال، بندر أكد لنا أن المجموعات السلفية في لبنان مأمونة. لا تقلقوا من ناحيتهم. أظن أحدهم قال –وصف الأمر لي، هو قال [بندر] في لحظة معينة، "أنا وهّابي." هو أحد أتباع هذا المذهب الديني المتقشف، هو نفسه، في المملكة السعودية. "أنا أستطيع أن أذهب للصلاة ومن ثم أعود من المسجد لأجلس، للقاء للعمل واحتساء المشروب." وهو قال أن هذه المجموعات في لبنان، هو أخبرنا، يستهدفون، ليس أمريكا بالضرورة، بل يستهدفون إيران، حزب الله، الشيعة في أماكن أخرى، ويستهدفون سوريا. هذه هي أهدافهم الرئيسية، وأنهم "مأمونون." أنا أدرج أقوال آخرين، بمن فيهم شخصيات بارزة من العربية السعودية، يقولون أن هذا فعلا جنون، لأن هؤلاء الناس خارجون عن السيطرة. إذن هذا هو موقعنا في الوضع القائم. إنه معقد وشديد السخرية بمنظور ما. وما لديك في المحصلة هو شكل من إعادة التوجه الجذري. لي صديق عسكري وصفه بالسقوط إلى الأمام، متحدثا عن الإخفاق في العراق كدافع لهذه السياسة.

للنص بقية بالانكليزية...

Sunday, February 11, 2007

حسن...هل يـ نصُر الله



لطالما تنازعني شعوران تلازما في نفسي عندما كنت أنصت بانتباه إلى كلمات ذاك المعمم بالسواد، بشخصيته وحضوره الكاريزمي وكلماته الجريئة وخطابه الذي كان يحرص فيه على مناجاة عقول المنصتين إليه وعواطفهم، هذا القائد الشجاع الذي استطاع بقوة الحق الذي يستند إليه أن يحظى بمحبةٍ وتأييدٍ جماهيري تخطى حدود بلده الصغير. حسن نصر الله، المسلم العربي الشيعي اللبناني!
إعجاب واعتزاز به، ممزوج بالمرارة وغصة العتب التي ما كانت تفارق عقلي وقلبي. فأنا عاتب عليك يانصر الله، ويكاد هذا العتب، معززا بشكوك عميقة سببتها بعض مواقفك القديمة وكثير من مواقفك الحديثة، أن ينقلب إلى ريبة وفقدان للثقة!

عندما كان حزب الله بين اللبنانيين، من اللبنانيين ولأجل اللبنانيين حقق نصرا لم يكن ليحققه لولا هذه الجذور الراسخة الثابتة، وعندما كانت أجندته في خدمة لبنان وحقه وحريته، محبة للبنان وأهل لبنان، لأجل رفع الظلم ودفاعا عن الحقوق التي أقرتها الشرائع السماوية والوضعية، لم يستطع جيش إسرائيل الحديث بكامل عتاده وغطرسته وتفوقه اقتلاعه من تربته الغنية، إلى أن تحقق نصر كبير وخرج الاحتلال ذليلا.

كان نصر الله في ذلك الوقت يستند إلى النظام السوري ويعتمد عليه، وكان النظام أيضا ذو مصلحة حقيقية في استمرار جريان نسغ الحياة هذا عبر الحدود وبموافقة ضمنية تضمن استمرار الضغط على "العدو الإسرائيلي" ولأجل امتلاك ورقة رابحة تضمن استمرار مصالحه إذ يمكن المساومة بها إن حان الوقت واضطر النظام السوري لاستخدامها!

هذا اللعب بالأوراق المختلفة وعلى شتى الجبهات والحبال كان الطريقة الأساسية وربما الوحيدة التي اعتمدها الحكم الفردي الديكتاتوري الذي كرّسه حافظ أسد عبر سنوات وجوده في الساحة السياسية السورية، بما فيها الفترة التي سبقت استيلاءه على الحكم بشكل رسمي بمساندة ودعم قوى خارجية التقت مصالحها بتنازلاته التي قدمها على حساب الشعب والبلاد. ويمكن للمتتبع لتاريخ النظام السوري أن يرى بشكل واضح كيف كان حافظ أسد يقفز على شتى الحبال وحتى المتناقضة منها في فترات زمنية متتالية أو ربما في الآن ذاته، لإدراكه أن وجوده في منصبه يعتمد بشكل أساسي على الدعم الخارجي المباشر،أو على الأقل عدم التسبب بأية قلاقل داخلية تهدد هذا الوجود الذي لم تكن له جذور حقيقية أو حتى شبه حقيقية في الشريحة الأكبر من عامة الشعب وفئاته، في البلد المصطنع الذي أطلقت عليه تسمية "سوريا" –وهذا شأن آخر يمكن بحثه في موضع آخر رغم ارتباطه العضوي بما نقول؛ ويمكن هنا أن نورد أمثلة واضحة عما نتكلم به، فعلى صعيد السياسة الخارجية نجده:

يقاطع النظام البعثي العراقي "التقدمي في حينه" ليساند الجمهورية الإسلامية الإيرانية "الدينية الرجعية" مخالفا لعقيدة حزب البعث السوري "التقدمي" الذي اتكأ عليه ليوصله إلى سدة الحكم السياسي وقيادته الحكيمة للبلاد!
في الوقت ذاته عمل جاهدا على إبقاء جبهة الجولان المحتل من ألطف الجبهات وأكثرها سلاما وأمنا –على الأقل بالنسبة للعدو الصهيوني، كان ينعق صباح مساء بعدائه وصموده وتصدّيه، ويدعم المقاومة الوطنية اللبنانية في حربها على جبهتها الخاصة... هناك في لبنان!
يصافح الأتراك علنا ومن وراء ظهورهم يغض الطرف عن تحركات الأحزاب الكردية المقاتلة للنظام التركي، أيضا كورقة ضغط. وفي الوقت ذاته يضطهد الأكراد المدنيين السوريين، بحرمانهم من الجنسية السورية وبالتالي وثائق السفر مما يجعلهم سجناء في سجنه الكبير!
وفي الوقت الذي يحارب فيه التوجه الديني الإسلامي السوري بشراسة ولأسباب مختلفة قد يكون منها الأحقاد الطائفية التاريخية القديمة، يقيم العلاقات القوية مع دول إسلامية كبيرة كالمملكة العربية السعودية ممتصا منها الدعم والمال!
يصافح ويعانق الإيرانيين، ويستقبل في البلاد "أعداءهم" من الانفصاليين من عرب الأهواز! الذين يسلمهم الآن وريثه بشار إلى إيران ليغيبوا في السجون الإيرانية!

أما لعبه على المتناقضات الداخلية السورية أو الصعيد اللبناني، فالمتابعون لسياساته والمكتوون بنارها بغنى عن الأمثلة و الأدلة.

هذه المقدمة الطويلة نسبيا من الضرورة ذكرها هنا. وأبيح لنفسي التأكيد أن كل هذا الاحتيال والقفز على شتى الحبال الذي اشتهر به "ثعلب المال" -أحد الأوصاف التي أطلقت على حافظ أسد، كان جليا حاضرا في ذهن حسن نصر الله المسلم العربي الشيعي اللبناني، السياسي المحنك، وإن لم تساعده حنكته فهو على الأقل كان يسمع يرى ويشعر!

في قاع هذه الدوامة البهلوانية القميئة، كان الشعب السوري ومصلحته وكرامته وثروته الضحية الأولى والأخيرة... وما زال! إن الطريقة الإجرامية المنهجية التي لا تليق إلا بقطاع الطرق واللصوص حثالة البشر، التي اتبعها النظام البعثي الدكتاتوري في تحطيمه لكافة مكونات العزة والقوة والكرامة والنهضة للشعب السوري، بما فيها الجرائم الدموية ضد الإنسانية والمجازر التي عمّت القطر السوري وسقط خلالها أكثر من أربعون ألفا مابين قتيل ومفقود، والتخريب المنهجي لنظام التعليم والنظام القضائي والمنظمات الأهلية والنقابات، واغتصاب العقارات والأراض ونهب الثروات الطبيعية منها وغير الطبيعية واحتكار السوق والتجويع والاستعباد ونشر ثقافة الخوف والاستقالة الاجتماعية والقضاء على ثقافة التعددية والتعايش، وأخيرا وليس آخرا، إنجازه الكبير في تعميق الهوة وتوسيعها بشكل لم يسبق له مثيل بين طوائف المجتمع السوري وخاصة الطائفة العلوية! وما يستمر النظام الدكتاتوري الآن بإكماله مما سبق والعمل على زيادة الاحتقانات لتصل إلى حافة الانفجار.... والكثير الكثير!

هل كل هذا غائب عن ذهن السيد حسن نصر الله، المسلم العربي الشيعي اللبناني؟! أم أن لقاء المصالح والتفكير البراغماتي السياسي برر له أن يغض الطرف عن كل ما سبق كي يستمر في البقاء ويخدم أجندته "الخاصة والمشتركة" في الجنوب اللبناني خاصة ولبنان بشكل أعم؟ ربما كان نصر الله يقول لنفسه: وما الفرق بيني وبين جميع حكام المنطقة المسلمون خاصة، وحكام العالم المتحضر وغير المتحضر عامة؟ كلّ يسعى لتحقيق أجندته على حساب شعبه فلم لا أفعل ذلك أنا أيضا؟! ...وإن صح الافتراض فيمكنني أن أتفهم ذلك لو كان نصر الله لا يعلن على الملأ إنطلاقه من أسس دينية "إسلامية" صميمية! أمّا وفي حاله هذه التي يستخدم بها الدين الإسلامي القائم على العدل والحرية والكرامة والمساواة، ومحبة الإنسان ورفع الظلم والإكراه ومحبة الخير، والنهي عن الظلم والقتل والسرقة والابتزاز والاحتكار والنفاق!... فلا يستقيم الأمر... ولن يستقيم!

على حسن نصر الله المسلم العربي الشيعي اللبناني، أحد خيارين:
إما أن يعلن على الملأ عدم تأسيس عمله على الدين الإسلامي أولا والمذهب الشيعي بالدرجة الثانية، وأنه يمارس ما يمارسه لدوافع سياسية اجتماعية حزبية فردية ضيقة!
أو أن يقدم اعتذاره لشعبه اللبناني أولا وللشعب السوري ثانيا لأنه كال ويكيل المديح للطواغيت الظالمين ويدعم وجودهم وبقاءهم واستمرارهم، فهم عاجلا أم آجلا سيقدمون إلى محاكم الإنسانية ليعاقبوا على جرائمهم... ويبصق عليهم التاريخ.

آن الأوان لحزب الله أن يعود إلى قواعده وشعبه ويتعلم أن يمارس نشاطا مدنيا لا ينازعه عليه أحد، فلطالما سمعت صوتا خافتا يهمس في أذني: "ماذا عن سلاح حزب الله بعد نصر الله؟ هل يمكن له أن يوجه إلى صدور محبيه ومناصريه يوما ما؟ حذار حذار من ذلك اليوم!". وبحمد الله لم يقع المحذور بعد، ورب ضارة نافعة، فالحرب الأخيرة على لبنان ربما قد حشرت حزب الله في مأزق قد يراه لا مخرج له، وأراه أنه هو المخرج!... ومن الممكن للقوة الشعبية التي يحظى بها حزب الله أن تكون عاملا فاعلا ومؤثرا في الحياة السياسية اللبنانية، بل والعربية أيضا! أما الخبرة العسكرية القتالية والروح الجهادية الجسورة فيمكن لها أن تتظلل بالمظلة الوطنية داخل الأجهزة العسكرية اللبنانية الوطنية، وليس ذلك ببعيد.

فما تفعل يا نصر الله؟ وإلى متى الإصرار على التحالف مع الطاغوت!

وأما إيران وسيناريوهات المد الشيعي والتحريض اليومي والبروباغاندا الإعلامية السنيّة... إلى متى؟ ولأي حد؟

إن كل ما سبق ذكره عن النظام السوري يصح استخدامه هنا أيضا. ونسأل الجمهورية "الإسلامية" الإيرانية على وجه التحديد لا الحصر: إن كانت أمريكا هي الشيطان الأكبر... فنظام أسد في سوريا هو أحد الشياطين الصغار أبناء هذا الشيطان الأكبر الذي تزعمون محاربته، وقد تلوثت أيديهما بدماء المسلمين وأعراضهم وثرواتهم... فلمن تقدمون الدعم والحماية؟!... وهل أنتم منتهون؟

كلمة أخيرة إلى الناس المساكين المستضعفين، الظالمين لأنفسهم في كل بلاد المسلمين، إن المسؤولية الأولى والأخيرة عن الوضع القائم حاليا في بلدانكم تقع على عاتقكم أنتم، وأيا كانت أديانكم انتماءاتكم أو اختلافاتكم، العقيدية الفكرية أو الفلسفية، فلن تكون مصلحتكم عزتكم قوتكم تقدمكم وكرامتكم وازدهاركم مما يهم الأنظمة القائمة على استعبادكم واستغلالكم، الداخلية منها والخارجية، وما هم إلا كالأكلة المتنافسين على قصعة يطمعون بما فيها من غذاء، فإلى متى ستبقون قوتا لوحوش الغابات المتصارعة!
.
.

Wednesday, December 27, 2006

اسألوا كيسنجر عن نظام بينوشيه


اسألوا كيسنجر عن نظام بينوشيه
إيمي غودمان
إلى العربية: همّام يوسف

عمود الرأي في صحيفة "سياتل إنتيليجينسير"
الخميس – 14 كانون الأول - 2006


بينما كان العالم يحتفل بيوم حقوق الإنسان العالمي، فارق الحياة أحد أكبر مستبدّي القرن سيئي الصيت، الجنرال أوغستو بينوشيه، وهو رهن الإعتقال المنزلي في التشيلي عن عمر يناهز الواحد والتسعين عاماً. وقد تركت فترة حكمه البالغة سبعة عشر عاما ندبا عميقا في ذاكرة المجتمع التشيلي. ومع ذلك حوى إرث بينوشيه للمفارقة أمرا جيدا: فقد دفع نظامه والدعم الذي لقيه من الولايات المتحدة، إلى تحفيز الحركة العالمية لحقوق الإنسان في يومنا الحاضر.

في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001، وبينما كانت الطائرات ترتطم ببرجي مركز التجارة العالمي، كنا على أثير البث اليومي لـ "ديموكراسي ناو" ننظر إلى العلاقة مابين الإرهاب وتاريخ الحادي عشر من سبتمبر لعام 1973! ففي ذلك اليوم تمت الإطاحة بالحكومة الديموقراطية المنتخبة للرئيس التشيلي "سلفادور أليندي" بانقلاب دموي، وتسلقت قوات بينوشيه قمة هرم السلطة. وفد تم الانقلاب بدعم من الحكومة الأمريكية. لخص هنري كيسنجر –مستشار الأمن القومي ووزير الدولة الأمريكي- هذه السياسة كالتالي:
"لا أستطيع أن أفهم لم علينا أن نقف جانبا ونراقب بلدا يتحول إلى الشيوعية بسبب لامسؤولية شعبه نفسه. الأمور على درجة من الأهمية للناخبين التشيليين، من أن تترك لهم ليقرروا بشأنها بأنفسهم."

وبينما كان بينوشيه يستولي على الحكم، كان من أوائل القتلى الرئيس نفسه... أليندي، من ثم تم اعتقال الآلاف. كان من بينهم فيكتور جارا، أسطورة الغناء الفولوكلوري التشيلي. جارا تعرض للضرب المبرح، التعذيب، ومن ثم أعدم ورميت جثته في أحد أزقة سانتياغو، لتجده زوجته في معرض الجثث.

تشارلز هورمان كان صحفيا أمريكيا ناشطا في التشيلي، هو أيضا اختفى أثره في تلك الأيام التي تلت الإنقلاب. ووجدت جثته مدفونة في جدار اسمنتي. تم تخليد قصته في فيلم كونستانتين كوستا غافاراس الحائز على الجائزة الأكاديمية، "المفقود." وقاضت زوجته جويسي هورمان، ليس فقط بينوشيه على مصرع زوجها، بل أيضا كيسنجر وآخرون من مكتب الدولة الأمريكية.

عهد بينوشيه الإرهابي امتد إلى ماوراء حدود التشيلي. ففي الحادي والعشرين من أيلول لعام 1976، قتل وزير الخارجية التشيلي السابق أورلاندو ليتيليير ومرافقه الأمريكي روني موفّت بسيارة مفخخة، ليس في التشيلي، بل في "إمباسي روو" في واشنطن دي سي.

أيضا هناك رئيسة التشيلي الحالية، ميشيل باتشيليت. والدها كان جنرالا عند أليندي و عارض الإنقلاب. فتم اعتقاله ومات بأزمة قلبية داخل السجن. أما هي وأمها فقد تم احتجازهما وتعذيبهما في "فيلا غريمالدي" السيئة الصيت، المكان السري للتعذيب في سانتياغو. باتشيليت وأمها نجتا وفرتا إلى المنفى. وقد أكملت عودتها إلى التشيلي وفوزها بمقعد الرئاسة عن التيار الإشتراكي دائرة التاريخ السياسي التشيلي. في تشرين الأول لعام 2006، عادت إلى "فيلا غريمالدي". وفي تشرين الثاني تم اتهام بينوشيه بخطف وتعذيب السجناء هناك، ووضع رهن الاعتقال المنزلي.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يقبض فيها على بينوشيه. ففي عام 1998، أثناء زيارة علاجية إلى لندن، وضع رهن الاعتقال المنزلي بعد أن أصدر القاضي الإسباني بالتزار غارزون مذكرة لاعتقاله، بتهمة تعذيب وقتل حاملين للجنسية الإسبانية. وبعد ثمانية عشر شهرا، سمحت بريطانيا لبينوشيه بالعودة إلى التشيلي لأسباب صحية، متجنبا الترحيل إلى إسبانيا.

موت بينوشيه مكنّه من تجنب الإدانة. لكن كيسنجر، الذي يتم تأكيد دعمه لنظام بينوشيه بالوثائق يوما بعد يوم، مايزال على قيد الحياة ومايزال مثيرا لاهتمام أولئك الباحثين عن العدالة. وقد تم استدعاء كيسنجر للمساءلة من قبل القاضيين غارزون الاسباني و روجر لو لوار الفرنسي اللذين يحققان كلاهما في اختفاء ومقتل مواطنييهم في التشيلي. وفي الوقت الذي يتعرض له كيسنجر للأسئلة بشكل متكرر من وسائل الإعلام الأمريكية في هذا البلد، فهو نادرا ما يسأل حول سجله الشخصي. بدلا من ذلك يعامل كملكي!

تبقى الأسئلة حول نظام بينوشيه القمعي. وعلى الغالب يمتلك كيسنجر الكثير من الإجابات. وإن كان لنا أن نصل إلى مقياس موحد للعدل، فالإجابات يجب أن يطالب بها، من الخبراء المتأصلون في الإرهاب من مثل هنري كيسنجر!

تناذر هامان


تناذر "هامان"
أو…
لماذا يجيب اليهود عن السؤال بسؤال؟

بقلم إسرائيل شامير
إلى العربية: همّام يوسف

كلمة ألقيت في باريس 05/12/2006 بمناسبة تقديم الترجمة الفرنسية لكتاب شامير Our Lady of Sorrow، "سيدتنا للأتراح".

الكثير تعلمه اليهود من غلطة حمقاء قام بها عدوّ لهم، "هامان"، شخصية في كتاب "إستير" في الكتاب المقدس. فقد سُئل الوزير الأعظم هامان: "ما الذي يجب فعله للرجل الذي يُسعِد الملكَ أن يكرمه؟" وأجاب الأحمق: "بجب أن يقدم له أعظم التكريم". بطبيعة الأمر، ظن هامان أن الملك "آهاسوروس" كان يقصده هو عندما سأله هذا السؤال. وسرعان ما اتضح لهامان أنه ارتكب غلطة فادحة: فقد كان من يقصده الملك هو عدوه اللدود "مردخاي"؛ وأجبر هامان على تقديم التبجيل لذاك اليهودي.

أيتوجب على الإنسان أن يكون منصفا وعادلا؟ "يوليسيس"، الرجل الهائم عند "هومر" أجاب: نعم بالتأكيد! لأن الآلهة تكره الظلم. غير صحيح! ليس إن أردت أن تحظى بالنساء، كما يرينا "ميشيل هويلبيك" بوضوح في روايته عن ثورة 1968 الفاشلة "جزيئات أولية". يبدو أن الناس قد حاولوا في الماضي أن يكونوا منصفين، ولما لم يكونوا كذلك، شعروا بالخجل من أنفسهم؛ وأنهم الآن قد تخلّوا عن أن يكونوا منصفين. لعل آلهة "يوليسيس" الذين كرهوا الظلم قد غيروا رأيهم؟ أو بالأحرى، هل بدلت الإنسانية آلهتها؟

بداية التغير الكبير يمكن تتبعها إلى الفلسفة الإنسانية حتما، أعني بذلك، قطع أوربا الصلات التي تربط الإنسان بالمقدس في اندفاعها نحو الحرية والسعادة الفردانية. ورغم عدم وجود المرجعيه المباشرة لله، استمر مفهوم الإنصاف بالتأسيس على الشعور الديني. وعلى هذا، أعلن "إيمانويل كانت" في عصر المنطق والتنوير، أن الدافعية الغريزية للإنصاف هي قانون أخلاقي ذاتي في دواخلنا، يتناغم مع السماء المليئة بالنجوم ما فوقنا، وهي إشارة مخفية أخرى إلى الله. "تصرف بالشكل الذي يجعل فعلك باعثا على أن يقلده الآخرون وعلى أن يكون كشرعة عالمية" قال كانت بصيغة الوصية الآمرة، أو بكلمات أخرى، "تصرف وفق تلك الحكمة التي تتمناها أن تكون شرعة للعالم".

وعلى الرغم من ظاهره العلماني، ينبني الموقف الكانتي على المُسَلمَة الخفية والمتأصلة في الديانة المسيحية القائلة بـ "بالمساواة ما بين الناس" (يشترك في هذا المسلمون، أتباع كونفوشيوس، والبوذيون). لكن إن توجب علينا القبول بمُسَلمَة من الشريعة اليهودية، فسنصل إلى نتيجة مختلفة تماما! فحسب الشريعة اليهودية، بعض الناس أكبر قيمة من الآخرين بالوراثة، ولا يمكن لقانون إنساني واحد أن يشمل الكائنات السامية والكائنات الأدنى. هناك قانون للأقلية المنتقاة وقانون آخر للأغلبية المحلية غير النقية، بل وقانون ثالث آخر للتعامل فيما بينهما (يشترك معنا في هذا الهنود البراهمانيون إلا أنهم لا سابقة لهم بالتأثير في ثقافتنا). هذا الخلُق اليهودي أضحى قاعدة قانونية في البلدان التي هزم سكانها الأصليون أو أخضعوا بشكل جذري، أي في الولايات المتحدة و إسرائيل! منذ العام 1968 أسهمت أخلاقية الكيل بمكيالين هذه في استنزاف عالمنا الكانتي إلى الدرجة التي خربت جميع الجهود السياسية المضنية المتعلقة بمفهومي العدل و الإنصاف.

القانون يوصف بالعادل إن صيغ بمصطلحات عامة، تتناول أشياء محددة: "لا تقتل". في الأخلاقيات الكانتية (والمسيحية) على هذا المنع أن يشمل الجميع لكي يكون عادلا. لكن في الأخلاقيات اليهودية التقليدية، "لا تقتل" تعني فقط "لا تقتل اليهود". قتل الآخرين، الكائنات (الأدنى) لا يرقى حتى لأن يكون "جريمة قتل". وبالتوافق التام مع فهم كهذا رحّلت الولايات المتحدة الشهر الماضي امرأة ألمانية تناهز الثمانين عاما على أساس خدمتها كحارسة في معسكر اعتقال في الماضي، ولم تطالب مطلقا بتسليم القتلة الإسرائيليين للبحارة الأمريكيين. إسرائيل تحكم بالسجن المؤبد على العرب الذين يدانون بقتل اليهود. بالمقابل دفع اليهودي الذي قتل خمسين من العرب سنتا واحدا كغرامة!!

إن وافقت على القانون العام: "لا تمتلك أسلحة نووية"، عندها، في العالم الكانتي، هذا المنع يشمل جميع الدول –أو على الأقل جميع الدول التي لم تمتلك أسلحة كهذه عند توقيع اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية. لكن من المنظور اليهودي، فقد أصاب مسؤول أمريكي بتصريحه أنه "لن نتعايش مع إيران وكوريا شمالية نوويتان"، على الرغم أنهم –أمريكا- يعيشون بوفاق تام مع إسرائيل نووية.

الكثير تعلمه اليهود من غلطة حمقاء قام بها عدوّ لهم، "هامان"، شخصية في كتاب "إستير" في الكتاب المقدس. فقد سُئل الوزير الأعظم هامان: "ما الذي يجب فعله للرجل الذي يُسعِد الملكَ أن يكرمه؟" وأجاب الأحمق: "بجب أن يقدم له أعظم التكريم". بطبيعة الأمر، ظن هامان أن الملك "آهاسوروس" كان يقصده هو عندما سأله هذا السؤال. وسرعان ما اتضح لهامان أنه ارتكب غلطة فادحة: فقد كان من يقصده الملك هو عدوه اللدود "مردخاي"؛ وأجبر هامان على تقديم التبجيل لذاك اليهودي.

هذه القصة أعيدت ونوقشت عند اليهود لأكثر من ألف من السنين، وقد علمتهم هذه النقاشات المثمرة أنه: قبل الإجابة عن أي سؤال ذو صيغة عمومية، عليك أن تعرف في أي طرفي المعادلة تقع! وبكلمات أخرى: لا تكن كانتياً ، كن يهودياً. ولو كان "هامان" يهوديا (وهو لم يكن كذلك) لأجاب عن السؤال الملكي بسؤال: "هل هذا الشخص يهودي؟" وفقط بعد أن يعلم ذلك يمكن له أن يطمئن ويستكمل الإجابة. وهكذا، كوننا العالمون النفسيون المنشّؤون منزليا بما نحن إياه، فسنضيف مرضا جديدا إلى القائمة الطويلة لعلم الأمراض العقلية: "تناذر هامان"، مرض عقلي مكتسب من التعلم من غلطة هامان، يؤدي إلى فقدان القابلية على تطبيق " الوصية الكانتية".

لإصابتهم بتناذر هامان، يستخدم اليهود العبارة المناورة: "كيف لك أن تقارن؟" لأجل إحباط المقارنة الإنسانية الكانتية. وإن اشتكى يهودي أن الفلسطينيين يقتلون مدنيون يهودا، حاول أن تجيب: "أنتم تقتلون نساءهم وأطفالهم!" وسوف تلقى عبارة ساخطة: "كيف لك أن تقارن؟" –وربما مصحوبة بسلسلة من الفوارق: هم يقتلون بأحزمة ناسفة، ونحن نقتل بصواريخ موجهة، الخ، والأكثر أهمية لكن نادراً ما يجهر به: نحن نقتل الغويم، لكنهم يقتلون يهوداً!

لكن، من يلقي بالا لما يعتقده اليهود؟ الأهم هو أن الولايات المتحدة وحلفاؤها قد تبنوا المنظور اليهودي. عندما انتخب اليهود "مناحيم بيغن" رئيسا للوزراء، الإرهابي القديم والرجل الذي نسف فندق الملك داوود وقتل 90 رجلا، طفلا، وامرأة، تقبل الغرب "بيغن" كخيار إسرائيل الديموقراطي. لكن عندما انتخب الفلسطينيون ديموقراطيا حكومة أغلبية تقودها "حماس" (ذات الصلات الإرهابية خاصتها)، أخضع اليهود فلسطين للحصار، واحتجزوا الوزراء من "حماس" وصادروا الأموال الفلسطينية –كل هذا بدعم كامل من الغرب. عندما يجوّع اليهود الفلسطينيين ويقتلونهم في قطاع غزة، فهذا "بزنس" كالعادة. لكن عندما دعا الرئيس الإيراني إلى تفكيك النظام الاستعلائي اليهودي، تم استدعاؤه إلى محكمة غربية على أنه مجرم تطهير عرقي محتمل.

وإليكم مثال آخر عن العام بمقابل المحدد، فإنكم إن سعيتم لإطلاق سراح أسرى الحرب خاصتكم، فما عليكم إلا أن تسارعوا لاختطاف بعضا من أعدائكم، جنودا أو مدنيين، بغرض أن تفاوضوا من أجلهم من مركز أقوى. هل يصح هذا؟ حسناً... إن كنتم الدولة اليهودية، وقمتم باختطاف مدني لبناني –ولنطلق عليه اسم مصطفى الديراني- من أجل إنقاذ أسير الحرب "رون آراد"، عندها ستوصفون بـ "الاهتمام لجنودكم". لكن إن كنتم لبنانيون وقمتم باختطاف جندي يهودي لأجل ضمان إطلاق أسراكم الحربيون، فسيكون هذا استفزاز مباشر وعمل عدواني فاضح (بحسب اليسار اليهودي المتنور لـ آموس أوز).

على المرء أن يكون مريضا هامانيا مخلصا كي يتفهم كيف أن القصف الأمريكي النووي لهيروشيما كان عملا حربيا مشروعا، في الوقت الذي كان به "بيرل هاربر" جريمة وحشية؛ ولم "غولاغ" ستالين عملا وحشيا بينما "غوانتانامو" أمر مشروع، لم قصف حيفا جريمة حرب وإمطار غزة بالقنابل ليس كذلك، وكيف أن ترحيل المدنيين اليهود من قبل الألمان كان تطهيرا عرقيا، لكن ترحيل المدنيين الألمان من قبل البولونيون ليس كذلك.

هل يعتبر الحصار البحري عملا حربيا؟ هذا سؤال جيد. إن كان هو الحصار المصري لمنع عبور السفن إلى إيلات، فهو عمل حربي يجب أن يواجه بحرب شاملة مستعره، كما كان الحال عام 1967. لكن إن كان حصارا إسرائيليا للبنان، أو غزة فهو إجراء مسموح به للدفاع عن النفس.

إن أنكرت مجزرة، فمن المؤكد أن أهل الضحايا سيألمون لذلك. أيمكن حصول ذلك؟
بعد أن قصف سلاح الجو الإسرائيلي وقتل العشرات من الأطفال اللبنانيون في قانا في لبنان، نشرت وسائل الإعلام اليهودية مئات الدلائل لإنكارها. قالوا أن الصور كانت إما مدبرة أو تم التلاعب بها ببرامج تحرير الصور، أن صورة طفل ميت، أو حمولة شاحنة من الجثث الهامدة قد أحضرت من مكان آخر!. لكن عندما استخدم المؤرخ البريطاني دافيد إرفينغ المقاربة النقدية ذاتها على "صور أوشفيتز"، تمت تسميته بـ "منكر الهولوكوست" وتم الحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات. أودو واليندي أمضى وقتا في السجن لشكه في مصداقية الصور اليهودية، لكن اليهود الذين يشككون بصحة اللقطات اللبنانية أو ينكرون بشكل فاضح مجازر دير ياسين وقانا، يسرحون ويمرحون!

الآن، اليهود ليسوا هم الوحيدون الراغبون أن يكونوا استثناءاً. فبالفعل، قد غدت أخلاقياتهم الغريبة، الأخلاقيات المحدثة لطبقة ما بعد 1968 الحاكمة، العديمة الآلهه والمتمكنة. تاريخهم وتقاليدهم أضحت الشعارات المعلنة للمصابون بتناذر هامان. وقد أضحى اليهود الطفل المدلل بين الأقليات التي تشن الحروب على الأكثرية في جميع أنحاء العالم. لأجل إرباك البقية، يجمعون الأقلية الحصرية لسماسرة سوق المال مع الأقلية من المهاجرين السود البؤساء، مقابل الأكثرية العظمى من الناس العاديين. هوسهم بالأقليات -ولتكن السحاقيات أو الأمهات العزباوات أو المهاجرون غير القانونيين المصابين بالأيدز- له سببه الوجيه، فبهذه الطريقة يحوزون على الأفضلية الأخلاقية لتبرير أقليتهم الحاكمة. وهذا هو السبب أيضا وراء تململ الكثير من الأغلبية، من الأقليات المحرومة، شواذا كانوا أم من السود: وهم على حق إن كانوا (في اللاشعور) يحسّون أن الذين يروجون لقضايا الأقليات لايكترثون في حقيقة الأمر لما تريده الأغلبية.

في البلدان التي تحكمها الأخلاقيات اليهودية الصميمية –الولايات المتحدة وإسرائيل- يتم إخضاع الأكثرية لقانون جديد. الأكثرية السكانية في فلسطين الخاضعة لحكم اليهود محرومة من حقوقها، مسلوبة، وقطاعات العمل فيها فائضة بالعمالة المستوردة الزائرة. غالبية الأكثرية من المدعوين عمالا يهوديون يجبرون على مزاولة أعمال الأوقات الجزئية أو على أعمال التوظيف الذاتي من أجل التوفير في الإعانات الاجتماعية. في الولايات المتحدة "يشن أصحاب العمل حربا ناجحة على الأجور" كتب بول كروغمان في الهيرالد تريبيون. "أرباح الشركات مابعد الحسم الضريبي تضاعفت، لأن إنتاجية العمال ارتفعت، لكن أجورهم لم تبارح مكانها. أطفال عمال والمارت كانو يعتمدون على برنامج ميديك إيد أو افتقروا للضمان الصحي، ومع ذلك يريدون أن يخفضوا من أجور عمالهم أكثر بحرمانهم من الوظائف المستديمة".

دونالد لاسكن، أحد معجبي إسرائيل وآين راند، هاجم كروغمان بسبب "عدائه للساميّة" (هو لم ينتقد مهاتير) وكتب: "يقاس الرجل بما يهتم له. الرئيس بوش رجل عظيم يهتم لأمور عظام مثل حماية أمريكا من الإرهاب العالمي. والصحفي بول كروغمان صاحب العمود في نيويورك تايمز -أشرس خصوم بوش الإعلاميين وأكثر المثقفين الليبراليين المعتوهين في أمريكا- رجل ضئيل يهتم للصغائر من الأمور، فيما إن كان عمال التجزئة يتقاضون أجورا منخفضة من والمارت."
نحن أيضا رجال صغار نهتم للأشياء الصغيرة لأننا نعلم أن الأمور العظام كالحرب على الإرهاب تفتعل من أجل أن نتقاضى أجورا أقل.

أولئك المصابون بتناذر هامان يعلمون أن الناس لن يرضخوا للاضطهاد النازل بهم على مداه البعيد. لذلك يتلازم دوما قهرهم الاقتصادي الذي يمارسونه مع استخدام وسيلة إرهاب الأغلبية. لطالما كان التعذيب والسجن بغير محاكمة مشروعا في إسرائيل. والآن حصلت الولايات المتحدة على "قانونها الوطني وعلى قانون التفويض العسكري" لتأخذ مكانها على السوية ذاتها مع إسرائيل. رشيد خالدي بروفسور فلسطيني حكيم من جامعة كولومبيا قال محقا،ً أن البحث الذي قدمه ميرشيمر/والت بالغ في تأثير نفوذ اللوبي اليهودي على السياسة الخارجية الأمريكية وأنه في الوقت ذاته قلل من تأثير هذا النفوذ على السياسات المحلية من مثال "القانون الوطني". وهذه النقطة بالذات هي ما كنا نثيره طوال الوقت: الهدف الرئيسي لللوبي اليهودي ليس فلسطين، إنما هو حريات الأمريكيين.

سُألتُ مرة إن كان من الضروري الإشارة إلى اليهود مطلقا، علما أنه ليس فقط اليهود –واليهود، فعلا ليسوا فقط- من يساندون حكم الأقليات! بالفعل، المنبع ليس مهما، لأن الجميع لهم الخيار بأن يلزموا صف الأكثرية المسحوقة، أو أن يتطلعوا لأن يكونوا جزءا من الأقلية المنتقاة.
عظام البشرية الحقيقيون كانوا أبناء الأقليات الذين عبروا إلى الطرف المقابل حيث الأكثرية. عيسى الناصري ولد أميرا في آل داوود، جده لأمه كان رجلا ذا شأن في الهيكل، وسدهارتا غوتاما تربى في قصر استعدادا لأن يرث مملكة أبيه. على الرغم من ذلك، هذين الأميرين، المسيح و بوذا، شقوا الطريق للأكثرية. والعديد من ذوي الأصول اليهوديه تبعوا الدرب ذاته. لكن المؤسسات اليهودية بشكل خاص كانت دوما إلى جانب الأقليات، محاولة الحصول على استثناءات لليهود حتى داخل الطبقة المصطفاة ذات الثراء.

إحدى وسائلهم المفضلة هي التنكيل بالذين يطمحون إلى أن يقاس اليهود بالمقياس نفسه كبقية الناس. حسرتي أنني من هؤلاء. فقد دعوت إلى مساواة تامة بين اليهود وغير اليهود في فلسطين/إسرائيل، وأترابي من المواطنين الإسرائيليين لم يرفضوا ذلك، لكن اليهود الفرنسيون حصلوا على إدانة لي في فرنسا لـ "تشويه سمعة اليهود". هذا يبدو عجيبا. لم يهتم الفرنسيون بما يقوله مواطن إسرائيلي لمواطن إسرائيلي آخر حول أخلاقياتهما اليهودية؟ هل فلسطين مقاطعة فرنسية؟ هل تعتبر فرنسا سيادتها مستوعبة للعالم؟ وهل يشعر الفرنسيون بالفخر لأن صلاحياتهم القضائية ذات مدى يصل إلى مدينتي يافا؟ حسناً... لا. هذه هي القضية الوحيدة التي يمكن لمحكمة فرنسية أن تتدخل بها. عدا ذلك، فهم سينكفئون بهدوء، كما انكفؤوا عندما هرب اليهود الفرنسيون كـ فلاتو، وغايداماك، الخ. إلى إسرائيل بالأموال الفرنسية المنهوبة. أما في حالتي، فالجمهورية الفرنسية تسهم بنصيبها الصغير في حماية الاستثنائية اليهودية.

هذه الحماية لا مثيل لها: هل يستطيع الأتراك التوجه إلى محكمة باريسية بمواجهة أورهان باموك، الكاتب التركي الكبير، لتشويهه سمعة الأتراك (بعض الأتراك يعتقدون ذلك)، وهل يمكن لمحكمة فرنسية أن تجد باموك مذنباً؟ حسنا، هذه قصة بعيدة الحصول. الأتراك لن يطلبوها، والفرنسيون لن يقروها. فهناك فقط أمة واحدة فوق القانون تستطيع تمرير أمر كهذا.

هل السبب أن الفرنسيون لا يريدون الإساءة إلى الدين؟ عندما يكون المساء إليه هو المسيحية أو الإسلام، فليس لأتباعهما إلا أن يعضوا على أصابعهم! كتاب أوريانا فالاتشي التهجمي على المسلمين وجدته محكمة فرنسية أمراً مباحاً (فبعض المسلمين –غير عالمين بأمر هامان- دفعهم طيشهم لأن يقاضوها). لكن عندما نَسَبَ الكُتّاب اليهوديون (كالفرنسي إيمانويل ليفيناس مثلاً) إساءة معاملة اليهود على يد النازيين إلى... الديانة المسيحية، لم تسارع أية محكمة للتدخل. أما إن كانت الديانة المساء إليها هي اليهودية، فيذهب المسيؤون إلى السجن. الأمر بهذه البساطة!

هناك سبب وجيه لكون القوانين مناطقية. فنحن جميعا نرتكب الأخطاء بحق بعض القوانين في بقاع معينة. عندما تدخن الحشيشة في هولندا، فإنك تعلم أن هذا سيكون مخالفا للقانون –مثلا- في فرنسا؛ لكنك تعلم أنك آمن في هولندا. عندما تشرب الخمر في باريس، تعلم أنك ترتكب جنحة وفقا للقوانين السعودية، لكنك لست في السعودية وليس عليك أن تقلق. في الاتحاد السوفيتي السابق، كان من الممنوع أن تقرأ "سولزنستين"، لكن كان بإمكان الناشرين الفرنسيين أن يطبعوا روايته "الأرخبيل". لكن هناك إساءة معينة عابرة للقارات، وحيثما ارتكبتها من الممكن معاقبتك عليها، تلك هي: ...الإساءة لليهود.

ولأجل جعل مركزهم الاستثنائي بارزا للعيان، فالمنظمة اليهودية التي تقاضي كل من تسول له نفسه الإساءة إلى اليهود، منظمة CRIF، تدافع الآن عن حق المعلم الفرنسي روبرت ريدكير بإهانة الإسلام. وصف ريدكير محمد بــ"آمر حربي عديم الرحمة يسعى للمغانم، قاتل لليهود و متعدد الزوجات". هذا التعريف ينطبق على الملك داوود أيضاً!؛ فقد كان له 18 زوجة، وكان سيد حرب عديم الرحمة وقد سفك دماء العديد من اليهود. تعدد الزوجات أمر اشترك به محمد مع إبراهيم، إسحاق، ويعقوب. وكل ملك أسس لسلالته الملكية ابتدأ كآمر حرب قاس وسفك دماء الكثير من الناس، علما أنهم لم يكونوا بالضرورة من اليهود. من يهتم إن كان المذبوحين يهودا أم لا؟ إن سألت هذا السؤال، فأنت غير مصاب بتناذر هامان!

لماذا يتوجب علينا الانهمام أوأن نولي انتباهنا لهذا الوله العالمي باليهود؟ ليس فقط لأجل فلسطين علينا أن نولي عنايتنا –بل ننهي- هذا الاستحواز. مستقبلنا ومستقبل أطفالنا على المحك. فرنسا هي أيضا ضحية لحكم الأقلية، أو بالأحرى حرب الأقلية ضد الأكثرية! عندما أعلن نيكولاس ساركوزي-الشخصية المحافظة المرشح لانتخابات الرئاسة العام المقبل- نفسه: "صديقاً لأمريكا وصديقاً لليهود" أثناء زيارته لواشنطن الأسبوع الماضي، هو لم يقصد محبته لسمك الجيفلتيه والهامبرغر (لا يوجد فرنسي بهذا الغباء)؛ هو أرسل تلميحا مرمزاً أنه سوف يدعم الأقلية مقابل الأكثرية!

بدلا عن التذبذب ما بين يسار بلير و يمين ساركوزي، الذين يجمعهما عشقهما للأقلية الثرية، يمكننا أن نتحرى الدروب المفقودة التي تقود إلى حكم الأكثرية.
اليسار يمكنه متابعة العمل غير المنجز لثورة ال68 -من حيث فشلت، غدر بها، وأسيئ استخدامها لمنح الأخلاقيات اليهودية مكان السبق- على يد أمثال: دانيل كون-بندت، تود غتلين، ويوشكا فيشر. واليمين يعيد إبداع الروحانيات الرجولية لـ تشيستيرون، إيليوت، إيفولا، وغوينون. معاً، بإمكانهم أن يبعدوا الناس عن هاوية العبودية إلى بوابات الحرية، ويهدموا السلطة المفروضة لتيار وسائل الإعلام والمؤسسات الجامعية القائم، ويقوضوا الخطة "المرسومة بدقة بعيدا عن نداءات الجماهير وصرخات ضحايا المجتمع، بعقول سرمدية صافية" (لوكوربوزييه)، بالتالي يستعيدون العدالة والإنصاف المطلوبين في وصية "كانت"، بدلا من الاستثنائية المنحرفة لتناذر هامان.