Saturday, June 16, 2007

تجربتي المنقضية مع حزب التحرير وتداعياتها - الجزء الأول

قراءة في صفحات الذاكرة ...لقاء مع معتقل سياسي سابق

قليلة هي القصص الواقعية التي نسمعها أو نطالعها حول ناشطين سوريين سبق لهم أن خبروا تجربة الاعتقال السياسي المترتب على انتمائهم لتيارات إسلام سياسي محظورة كما هي الحال بالنسبة لحزب التحرير. ورغم أن من نلتقيه اليوم يرفض وضع تجربته الفكرية والثقافية الحراكية وتأطيرها وتلوينها بلون أحادي (حزب التحرير) خصوصا عندما نعلم أن فترة احتكاكه مع الحزب المذكور تعد من الخبرات القديمة والمنتهية عمليا بالنسبة له؛ إلا أن تسليط ضوء النقد على تجربة كتلك بسلبياتها وإيجابياتها هو أمر نحتاجه لمعرفة المزيد عن آليات وأنماط ثقافية واجتماعية وما رافقها من ظروف موضوعية خارجية أدت وربما ما تزال حتى الساعة إلى ازدياد أعداد المنخرطين أو المستطلعين للالتحاق بصفوف تيارات الإسلام السياسي المتنوعة والمتفاوتة، والتي يتنامى تأثيرها و تواجدها بشكل محسوس في أوساط المجتمعات العربية المتدينة، وخصوصا بعد أن وصلت خطابات وشعارات بقية التيارات إلى حالة من العطالة إن لم نقل العقم بل و حتى في بعض الحالات إلى الخيانة التامة لنفس المبادئ التي بنت خطابها وأرضيتها الجماهيرية عليها.

همّام يوسف هو صاحب القصة التي سنتابع بعض تفاصيلها هنا، ولا يخالطنا الشك أن ما طرحناه من أسئلة ليس الغرض منه اختزاله إلى أبعاد محدودة تفرضها طبيعة الأسئلة، بقدر ما هي بوابة للولوج إلى "كون" هذا الفرد وتقاطعات عالمه مع العالم الخارجي بل مع عوالم جميع الذين أحاطوا به وما زالوا.

ولد همّام لأسرة متدينة قارئة متعلمة، ونشأ في مدينة دمشق وتعلم في مدارسها وعاش في أجوائها، أنهى دراسته الجامعية في كلية الهندسة المعمارية في جامعة دمشق في أوائل التسعينيات. وكان اعتقال والده في أوائل الثمانينيات هو المرة الأولى التي يختبر بها تجربة الاعتقال السياسي، ومن ثم جاء اعتقاله هو نفسه في نهاية عام 1999 ليضعه في خضم هذه التجربة. يؤمن همّام بمبدأ اللاعنف والتغيير السلمي على الصعيد الاجتماعي/ السياسي، ويؤمن ويدعو إلى "إيجاد الآخر" فضلا عن القبول به، وما يزال يتمسك بجذوره الإسلامية وكتابه المقدس "القرآن الكريم" بل يعتبر هذه الجذور أساسا راسخا يكرس العدل والسلم والتنمية، بل بوابة واسعة لحرية الإنسان في مختلف أوجهها.

لهمّام مدونة على الشبكة العالمية يودع فيها من آن لآخر ما يعبر عن بعض ما يعتلج في صدره أو ما يراه ضروريا لتكريس ثقافة الانفتاح والقبول بالآخر، إضافة إلى بعض رؤاه في ما يجري من حوله على الساحة السياسية والاجتماعية.

لأسباب مختلفة وخياراته الخاصة يعيش همّام مع زوجته التشيكيّة في براغ، ويتابع من بعد ما يجري في وطنه سوريا ويحاول البقاء على تواصل مع ما يجري هناك تعويضا عن رغبة دفينة بالعودة لا تبارح أفئدة جميع المغتربين عن أوطانهم. إليكم هذا اللقاء.


<>- من كان همّام قبيل تفكيره في الدخول إلى الحزب أو انجذابه إليه؟ عمرك، اهتماماتك، خلفيتك الفكرية، وضعك العائلي والاقتصادي.

كنت في الثامنة عشرة حينها في بداية دراستي الجامعية، وكان التفكير في التغيير أو فعل شيء ما للوقوف في وجه الظلم والبؤس موجود دائما في ذهني ومنذ الصغر حقيقة، فبسبب المفاهيم التي نشأت عليها... أن المسلم يجب أن يهتم بأمور المسلمين ويسعى لنهضتهم ونصرتهم، ولأن والدي سابقا كان من الناشطين إسلاميي التوجه المعروفين، وبسبب تأثيره الكبير على من حوله، حيث استطاع أن يسخر قدرته الأدبية ككاتب إضافة إلى معرفته التاريخية كمؤرخ والعملانية الموضوعية كناشط، في غرس أفكار التمرد على الظلم والقهر في من حوله، وبالأولى أبناءه. ورغم أنه اعتقل إلى غير رجعة -الشيء المألوف عن معتقلي الثمانينات في سورية، رغم أنه لم يكن من الإخوان المسلمين بالمناسبة- عندما كنت في العاشرة، إلا أن تأثيره كان قد نقش في الحجر كما يقال، وربما جاء اعتقاله ليكرس التمرد لدى أبناءه ولدى جميع الذين عرفوه وأحبوه. وقد قيض الله طوال الوقت من يهتم بي كناشيء ويعمل -حسب فهمه واستطاعته- على أن أستمر في العيش والنمو بناءا على الأسس والمفاهيم التي أراد والدي أن أنشأ عليها، كحسن الخلق، التدين والالتزام، والشعور بالمسؤولية تجاه اللآخرين والانهمام بما يصيبهم.

كنت قارئا نهما طوال الوقت، بحكم نشأتي في منزل تكسو جدرانه الكتب المتنوعة المذاهب والاتجاهات والمحاور، وبحكم كون والديّ كلاهما من المثقفين المتعلمين القارئين، وأذكر هنا على سبيل الطرفة أنني ولغيرتي من أختي التي كانت قد قرأت "البؤساء" للكاتب فكتور هوغو ولما تتجاوز الحادية عشرة، أنني عمدت إلى قراءتها في ذلك الوقت وكنت أيضا لم أتجاوز العاشرة. إن هذا الإقبال الشديد على القراءة بحكم النشأة والتشجيع، فتح أبوابا كثيرة للتأمل والتفكير والإطلاع، وكان تعدد وتنوع الاتجاهات الفكرية المتوفرة في مكتبة والدي الخاصة كافيا لعدم احتياجي في الأوقات العصيبة للمخاطرة بجلب كتب مثل: "معالم في الطريق" لسيد قطب، أو كتاب "كيف هدمت الخلافة" أحد كتب حزب التحرير المعتمدة، أو سلسلة كتب "لينيننا" الشيوعية، أو روايات تولستوي الرائعة...الخ. كل ذلك كان في متناول يدي وشكل عاملا مهما في استمرار شعلة التطلع لعالم مختلف عما أقاسيه ويقاسيه أهل بلدي من قمع وإرهاب وتنكيل لم يفرق بين المذنب والبريء، بل أحيانا بين المؤمن وغير المؤمن طالما اشتركا في قول "لا" للظلم والإرهاب والإجرام.

وفي الوقت الذي كان فيه النظام البعثي القمعي في سورية يحاول غسل أدمغة الناشئة، وطمس أي معلم من معالم التمرد والمقاومة والحركية المنبنية على أسس دينية إسلامية بشكل خاص، وأي أساس عقائدي مختلف أو مخالف لأهوائه ويهدد استقراره؛ كانت جهود جميع الذين تشبثوا بالبقاء وانحنوا أمام سيل البروباغاندا الجارف الذي أطلقته أجهزة الإرهاب المخابراتية والحزبية البعثية والطائفية الأسروية؛ كانت جهودهم تنصب في تربية العشرات من الآلاف من اليتامى والثكالى والمساكين، ورعايتهم وتنشئتهم ضمن أجواء جماعية وأنشطة مشتركة دون أن يكون لها طابع سياسي معلن أو واضح رغم أنها كانت حبلى بفكرة العمل الجماعي المنظم طوال الوقت.

وهكذا... وضمن السياق المذكور الذي يحتمل الإثراء بالكثير من التفاصيل التي لا مجال لذكرها في هذه العجالة، من الطبيعي ومن المفروغ منه أن تكون فكرة الانتماء إلى عمل تكتلي منظم ينسجم مع الجذور الثقافية، الدينية والحراكية، أمرا واردا من حيث النتيجة. ...وهكذا كان بالنسبة لي.

<>- كيف بدأ انجذابك إلى الحزب من الناحية العملية؟ أصدقاء؟ صدفة؟ وسائل أخرى؟ وفي أي عام كان ذلك؟

كان ذلك ما بين 1988 و 1989، حيث طرح علي صديق لي يكبرني سنا، الانخراط في دراسة ثقافة ومفاهيم وكتب حزب التحرير بشكل رسمي مع أحد الأشخاص المنتمين تنظيميا بشكل فعلي لحزب التحرير، وكنا قبلها نتدارس أحد كتب الحزب (أنا وهذا الصديق) على أساس اجتهاد شخصي منه، حيث كان هو على صلة بالحزب عن طريق علاقة شخصية وغير تنظيمية أيضاً.

<>- كيف بدأ انجذابك إلى الحزب من الناحية العقلية والنفسية؟ أو بالأحرى، كيف ترى هذا الانجذاب بعد مرور هذه السنوات؟ بدافع القناعة؟ الخلفيةالدينية؟ الوضع السياسي؟ أو أية أسباب أخرى؟

كان الاطلاع على فكر الحزب ومفاهيمه عن طريق الصديق الذي ذكرته سابقا هو البوابة الرئيسية للاهتمام، وكان لما يتمتع به هذا الصديق من قوة في الحجة وسعة الإطلاع وجاذبية كارزمية أيضا دافعا إضافياً. أما الناحية العقلية (الفكرية) فإن الأفكار التأسيسية للحزب ما هي إلا استمرار للبناء على المعتقدات والمفاهيم التي يحملها أي فرد ذو نشأة أو خلفية ثقافية إسلامية... الأمر الذي ينطبق على جميع المسلمين ابتداءا، أما من الناحية النفسية فلا شك أن الشعور بالانتماء إلى كيان أكبر وتلبية الحاجة الغرائزية للتواجد ضمن مجموعة متناغمة و متعاونة من الأفراد يؤطرها نسق فكري واحد؛ هو الدافع النفسي وراء الانجذاب إلى فكرة الانخراط في حزب معين، ولا أغفل عامل القطيع في ذلك أيضا.

وأود أن أذكر هنا هو أن عملية التسويق لهذا الحزب كانت ذات أثر كبير في التشجيع على الانضمام له، حيث صوّر لي الوضع على أن الأمر هو مسألة وقت فقط، وما أن يطلق البيان رقم "1" من الإذاعة مابين ليلة و وضحاها، معلنا نجاح الحزب في الانقلاب ومستهلا بداية دولة الخلافة الاسلامية التي طال انتظارها، فإن الحزب على أتم الجهوزية لذلك، بل لديه كادر مستعد لمباشرة مهامه من الوزراء في جميع الأصعدة في اليوم ذاته.

وأظن أن جميع الدوافع التي ذكرتِها كان لها دور بدرجة معينة، وتكاتفت كل هذه الدوافع لتوصل إلى النتيجة النهائية وهي قراري بمباشرة الاحتكاك مع الحزب كـ "دارس" بداية، ومن ثم احتمال الاستمرار كحزبي إن عرض الأمر علي ولاقى قبولا لدي حال حصوله، وهو مالم يتم.

<>- لماذا هذا الحزب دون غيره؟

لأسباب مهمة منها أن احتمال الانخراط في تنظيم غير إسلامي أو غير مبني على أسس إسلامية هو أمر غير وارد بطبيعة الحال والنشأة، وهذا يخرج من الحسبان جميع التوجهات العلمانية، الاشتراكية أو الشيوعية، لأنها ترفض التدين (رغم أنها عقائدية في كثير من الأحيان) من حيث مبادئها ومنطلقاتها؛ مما يبقي في المعادلة الحركات ذات التوجهات الإسلامية الثورية الراديكالية، الاجتماعية التربوية والحركية السياسية؛ وللحقيقة فقد كان لي اطلاع على الاتجاهات الثلاثة الآنفة الذكر وقد أفادتني أدبياتهم وطروحاتهم النظرية بمقدار كبير وربما دفعتني أيضا (رغم أن ما أقوله قد يثير الاستغراب) لاستطلاع فكر حزب التحرير وتلمس مكامن القوة فيه. وأنا أعتقد بناءا على خبرتي السابقة مع حزب التحرير أن البنية الفكرية والسياسية الحزبية استطاعت أن تثبت قوتها وقدرتها، وفي مواضع متنوعة مرونتها وقدرتها العالية على الاجتهاد المنفتح، بل ربما تفوّقها لدى حزب التحرير من الناحية السياسية على بقية الحركات الأخرى، وأستطيع القول أن حزب التحرير من الناحية الهيكلية كحزب سياسي ومن الناحية العملية كصاحب مشروع تغيير سياسي واجتماعي، له كيان واضح ومتبلور يمكن التعامل معه ووضعه تحت المجهر ودراسته على عكس أقوى المنافسين له (من وجهة نظري) جماعة الإخوان المسلمين. فلحزب التحرير جميع مقومات أي حزب سياسي ذو مشروع واضح بأجندة واضحة، وبمشروع واضح مبني على أسس نظرية موجودة في كتب الحزب القديمة والحديثة أو المتبناة، بغض النظر على موافقتي أو عدمها على هذه الأسس النظرية أو تلك، أو هذه المفاهيم التأسيسية أو تلك. وأود ألا يفهم من كلامي التقليل من شأن جهة على حساب جهة أخرى.

2 comments:

ثائر سلامة أبو مالك said...

السلام عليكم أخي همام يوسف
للأسف لم أجد الأجزاء الباقية من الحوار لأطلع على باقي قصتك مع حزبنا ، ويثير اهتمامي جدا الشاب الباحث عن دوره الشرعي في حل مشكلات أمته، فأشد على يديك أن تدخل معي في نقاش فكري شرعي أصولي حول أي نقطة تراها مهمة أثرت في مسألة عملك أو رأيك حول حزب التحرير، يمكنك اختيار المكان الأنسب لهذا النقاش، وأرجو مراسلتي على بريدي الالكتروني ودخول موقعنا النقاشي الفكري
ولك منا كل الحب والتقدير والاحترام
abu_malek_1@yahoo.com
http://www.alokab.com/forums/
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

Hammam said...

أهلا ثائر، وعليكم السلام و رحمة الله
الأجزاء المتبقية تجدها إن ضغطت على تصنيف إسلاميات حسب ترتيب نشرها

أما النقاش فعلى الرغم من رغبتي به إلا أنني لا أجد الوقت الكافي له في أغلب الأحيان، لكن ... عسى و لعل

شكرا لك ولك أيضا الاحترام والسلام