Friday, December 07, 2007

فلنتكلم الآن عن الانتماء

أشارك ببعض الأفكار والكتابات في مجموعة للمراسلة من مجموعات غوغل، تدعى المجموعة "نقاش مفتوح حول الفكر والإسلام،" وكثيرا ما يستغل أحدنا مراسلة من المراسلات لتمرير بعض الأفكار والمشاعر التي قد لا تكون على صلة كاملة بها، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود تلك الصلة تماما.

فيما يلي نص مراسلة كنت قد عبّرت بها عن بعض ما اعتلج في صدري عند قراءتي لما كتبه أخ لنا في هذه المجموعة، وسأضع نص مساهمته في نهاية هذه التدوينة.

***

فلنتكلم الآن عن الانتماء


وعليكم السلام،

هذا قد لا يكون بالضرورة إجابة عن تساؤلات حامد، إنما هو ربما لمس من حيث لا يدري وترا حساسا لدي وعسى أن تتمتع بالروية والصبر عزيزي حامد!


والدي هو عبد الودود يوسف (كاتب إسلامي التوجه، ماجستير تاريخ من جامعة عين شمس، القاهرة) ... وأظن أن البعض ما زال يذكر من كان هذا الشخص و ما كان اتجاهه، إلا أنني ربما سأوضح قليلا ما كان عليه.

نشأ والدي في مدينة حمص في بيئة متدينة تقليدية إلا أن أسرته (جده من والده تحديدا) كانت من الأسر التي يحترمها الناس بسبب التزامها وورعها، ثم أثناء دراسته احتك بالفكر الإخواني وعلى رأسه مصطفى السباعي. ولا أدري بالضبط متى كان احتكاكه بطرح ناصر الين الألباني وطرح جودت سعيد، وهل كان ذلك قبل أو بعد انتقاله إلى مدينة دمشق. السمة العامة لوالدي كانت أنه شديد النشاط و الحماسة لدينه والمسلمين، و تذكر والدتي (نهلة عبد العال القزق، طبيبة) التي كانت ساعده الأيمن دعويا، تذكر بوضوح أنه لم يكن تابعا لأحد تنظيميا أو سياسيا، إلا أنه كان قادرا على التواصل مع الجميع. كان منزلنا على ما أذكر لا يكاد يخلو من الأنشطة الدعوية الإسلامية كشرح الحديث النبوي و تعليم قراءة القرآن والفقه ... الخ، وتذكر والدتي كيف زار مالك بن نبي هذا البيت الصغير في زيارته الوحيدة إلى سورية.

في بيتنا غرفتان على أحد جدران كل منهما رفوف تحتشد الكتب من جميع الاتجاهات فيها... الأديان والفلسفات والتاريخ والروايات.

إضافة إلى رؤية والدي.. والدتي.. خالتي.. جدي.. وصديقة والدتي، يقتادهم المخابرات صبيحة ذلك اليوم إلى المجهول، و من ثم عودة الجميع (ما عدا والدي) بعد فترة لا أذكر بالضبط كم طالت، ربما وصلت إلى الأسبوعين، وفي هذه الأثناء.. تم مطاردة واقتناص من بقي من الرجال في عائلتي فهرب أحد أعمامي وما يزال خارج البلد، العم الثاني كان في العربية السعودية إلا أنه عندما قرر العودة بعد 17 عاما من الغربة، كان له نصيب أيضا فاستضيف لمدة سنتين ليخرج إنسانا غير متوازن تماما حسب ظني، زوج إحدى عماتي أخلي سبيله بعد اثني عشر عاما لأنه كان قد حكم عامين!! وما يزال زوج عمة أخرى مجهول المصير كما هو مصير والدي.

كنت في العاشرة عندما شعرت بالرعب لرؤية والدي والأصفاد في يديه، فبدأت أجهش بالبكاء.. ولم يف والدي حتى الآن بالوعد الذي قطعه لي و هو ينظر إلي حينها قائلا: "لا تخاف بابا أنا راجع عن قريب" ... ومنذ ذلك اليوم... ما زلت أجهش، وما تزال عائلتي تجهش، وما يزال الآلاف يجهشون.

فيما بعد.. ولأنني أساساً أحب الاطلاع ولأنني قد تمت قولبتي وبشكل قاس كشخص يحمل همّ المسلمين والانتماء الإسلامي، وجدتني أسير على الخطوات ذاتها، فعرفت السلفية الألبانية و تماهيت بها لفترة، وتعرفت إلى الفكر الإخواني السياسي و تأثرت به رغم أنني لم أنخرط فيه بشكل منظم، وقدوتي في هذا والدي الذي لم يحصر نفسه في أي من الاتجاهات السائدة حينها، ومن ثم تعرفت إلى تقي الدين النبهاني ونظريته عبر حزبه و كتبه... وأيضا تماهيت به لفترة بشدة وحماسة وتعمق أيضا، إلا أنني و كما هي العادة لم أعط قيادي له.. ودخل جودت سعيد ومحمد شحرور وعلي شريعتي ومالك بن نبي مجال رؤيتي في الفترة التي كانت أواصري مع حزب التحرير تضعف لعوامل فكرية وأمنية، وهكذا إلى أن عمل منهج اللاعنف ونقد العقل وفتح باب الاجتهاد (أو تحطيمه برأي البعض) على يد محمد شحرور إلى إيصالي إلى نقطة القطيعة المعرفية مع منهج الفكر الإسلامي التقليدي، هذه القطيعة لم تكن تبرؤاً من الانتماء بقدر ما كانت ضرورة فكرية منهجية كي أستطيع محاولة رؤية دائرتي المعرفية الثقافية من خارجها.

منذ ذلك اليوم، أصبحت أنتمي لنفسي، نفسي التي هي مسلمة أساساً إنما أيضا هي خاصتي بالدرجة الأولى. وتهاوت الأصنام البشرية واحدا تلو الآخر، خصوصا أن قراءتي النهمة في علم النفس والتحليل النفسي كانت تريني لدرجة معينة من الوضوح كيف أننا جميعا محكومون بعدد كبير من الاشتراطات الواعية وغير الواعية، والتي تؤثر حتى في طريقة تناولنا لعوالم السياسة والثقافة والفكر والدين. ولأنني أعلم يقينا أنني محكوم بكل ما ذكرته سابقا، وأن ما أظنه حقيقة حقيقية هو رؤيتي الشديدة الخصوصية وأنني أعيش في الكون الذي أشكله لنفسي، فكيف أعطي قيادي لأي كائن ضعيف آخر..

وأفلح سحر جودت سعيد وعلي شريعتي و محمد شحرور وبيير داكو وهرمان هسه وليو تولستوي و النبي محمد وعيسى و موسى والبخاري و مسلم و الشافعي وتوماس أديسون وألبرت أينشتين و الفارابي و الجاحظ وجارنا الغشاش في حارتنا والأستاذ الظالم في مدرستنا والمشرف المنحاز في كليتنا، والكثير الكثير الذين لا أذكرهم... أفلح كل من كان في كوني الخاص في دفعي بعيدا عنهم... لأقول لهم: شكرا لكم... لقد وصلت الرسالة...لا انتماء إلى أحد منكم...... لا إله... إلا الله

وأنا الآن أصارع نفسي وأحاول التقرب من الله، وأظن أنني على حق و أخاف أن أكون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، أقبل على الله و أفتر عنه أخاف منه و أغضب منه وأحبه وألجأ إليه و أيأس منه وأترجاه... تحتشد في نفسي المتناقضات جميعها مع أحلامي و ضعفي ومطباتي ومثالبي.

بعد هذا كله أتساءل...

ما لذي يمكن أن تعنيه جملة: "على الشاب أن يكون أكثر وضوحا وأن واجبه الديني يقتضي ذلك" لا أدري لم أحس أنه يشع منها معنى بدائي!!

والوضوح كيف يكون ؟ لا أدري؟

هل الانتماء الديني له لباس خاص؟ لون؟ جنسية؟ طريقة معينة في التحية؟ ماذا؟...
من الذي له الحق... والقدرة! أن يحدد كيف يكون الانتماء و كيف يكون الوضوح؟

البوطي لي موقف منه بسبب أنه كان وربما ما يزال بوق للسلطة، وسبب آخر شخصي أنه كان يهاجم "تفسير المؤمنين" و كاتبه (والدي) على المنابر.

مصطفى البغا قام بطرد أختي (التي كانت قد حققت المرتبة الثانية على القطر في الثانوية الشرعية) من قاعة المحاضرات، لأن له رأي خاص في غطاء رأسها وشكل لباسها... هذا التافه... قمت أنا ووالدتي بالمسارعة لمنزل زوجته الأولى (أعتقد أنه متزوج من 3) عندما كانت تشتكي من ألم ما.. هذا هو الموقف الحقيقي.. الموقف المنتمي.. موقف والدتي.. وليس موقف من طرد ابنتها.

أنا بكل بساطة كنت أدفع ثمن الانتماء، منذ استطعت أن أعي ما يجري حولي، وعلمني كل المتشدقون البارعون في الحروب الكلامية، الذين لم يضطرهم "انتماؤهم" للمخاطرة بمواقعهم أن أقول لهم... أغلقوا أفواهكم.. أنا الذي أعطي انتمائي شكله لا أنتم يا باعة الكلام.

هذه ردة فعل سجين سياسي سابق إبن سجين وسجينة سياسيين سابقين

فلنتكلم الآن عن الانتماء...

تحية ملؤها السلام...

همّام

***

فيما يلي مراسلة حامد التي دفعتني لكتابة ما سبق


قراءة في واقع تجديد الفكر الإسلامي 7

السلام عليكم ورحمة الله

يفترض بهذه أن تكون الجزء السابع من سلسلة مقالاتي وبشكل أدق كنت أتوقع ألا أنشرها ولكنني قمت بتعديل سريع عليها وأرسلتها

مشكلة الانتماء في صياغة التوجه الإسلامي

عندما كنت طفلا صغيرا بداية الثمانينات كان يعمل مع أحد أقاربي عائلة غير عربية لديها ابن شاب يدرس شريعة لا أدري كم يفصلني عنه عمرا ولكننا كنا نحبه ربما لأنه الوحيد الذي يتكلم العربية رغم قلة زيارته لعائلته
ما رسخ في ذهني حوار بينه وبين قريبي ((كلاهما إسلاميين)) لا أدري مضمون الحوار ولكنني أدركت ارتباك الشاب وسط اتهامات ما فهمته منها أن على الشاب أن يكون أكثر وضوحا وأن واجبه الديني يقتضي ذلك
مضت الأيام وغادرت الأسرة ولم أعلم عنها شيئا منذ ذلك الحين وذهب قريبي مع من ذهبوا دون عودة.. وعشت الجزء المتبقي من الثمانينات إسلامي التوجه والمظهر دون مضمون حقيقي بغياب الجزء الفاعل من أفراد العائلة
إلى أن جاءت بداية التسعينات بانفتاح ديني وكان من الطبيعي بالنسبة لنشأتي الأصولية أن أفضل السلفية على تيار الدكتور البوطي الذي كان في أوجه... واعتبر البوطي خصما ومن باب أولى كفتارو وكل ما يمت للسلطة بصلة رغم أن السلفية التي يقودها في دمشق ناصر الدين الألباني "رغم ابتعاده إلى الأردن" لم تكن مسيسة ولم أحتك بالقراءات السياسية للسلفية وسواهم إلا مع ظهور كتاب الجهاد للدكتور البوطي وردود الفعل الغاضبة عليه التي رأيتها في أوضح صورها بتفنيد الدكتور مصطفى البغا لها الذي تزامن تفسيره "ربما بمحض الصدفة" لسورتي الأنعام والأنفال مع صدور كتاب الجهاد طبعا أكمل هذا بعض إجابات الشيخ عبد القادر أرناؤوط الذي أدركت بوضوح ما يميزه عن الشيخ ناصر وضياع منهجه بين السلطة التي بدأت تراه عدوا وطلابه الذين يتعلمون عليه ويدينون بالولاء للشيخ ناصر
تلى ذلك تقلب أستاذي نواف تكروري وهو من مبعدي مرج الزهور بين الدكتور وهبة الزحيلي وأخيه الدكتور محمد للإشراف على رسالة الدكتوراه بعنوان العلاقات العامة بين دار الحرب ودار الإسلام
في هذه الفترة بدأ احتكاكي بأفكار جودت سعيد واللا عنف ربما بفضل حسن الكردي وتزايد اللقاءات العامة التي جمعت جودت سعيد والبوطي
وبما أن عائلتي تذكر الكثير من الجدل العقيم بين محمد الجراح والدكتور مصطفى السباعي كصديقين للعائلة حول العروبة والإسلام وتحديد كل منهما.... كان واضحا بالنسبة لي تخبط الإخوان كفكر إسلامي سائد في إعطاء موقف واضح من قضية القومية

كل هذه الأمور دفعتني لطرح تساؤل حول دوافع الأشخاص ضمن المتاح وكيف ترسم هذه الدوافع قراءتهم وحتى تفسيرهم للإسلام
وساهم تعرفي على بعض لاعنفيي داريا من جهة وتعميق الصلة بالتيار الناصري من جهة أخرى في توضيح هذه التساؤلات في ذهني ولا أستطيع القول إنني تمكنت من التوصل لإجابات خصوصا وأن طرح مثل هذه الأمور قد يحمل قدرا لا يستهان به من الإساءة للبعض وقليلون جدا هم الذين حاورتهم بصراحة في هذا الموضوع

لفت صديق بعثي نظري إلى أن التيارات الدينية في سورية على اختلافها يقودها أشخاص ليسوا عربا لأن الحكومة لا يمكن أن تسمح بذلك من وجهة نظره... ولكنني أعتقد أن الأمر أعقد من ذلك بكثير
أحمد كفتارو والبوطي والألباني والأرناؤوطان والبغا وحتى جودت سعيد وخالص جلبي إن اعتبرناهما في هذا الإطار.. جميع هؤلاء من الطبيعي أن يشعروا بأزمة في الانتماء لأي تيار سياسي وسط طغيان القومية وفكرة العروبة وتلبس حتى التيارات الإسلامية السياسية بشيء منها
وكأفراد فاعلين نشأوا في بيئة متدينة أو محافظة فإن كلا منهم وجد إطار انتماء واسع أقنع نفسه به ثم تراكمت الفكرة إلى أن أصبحت مقنعة ولكنها حتما بالنسبة للجميع باستثناء اللاعنفيين لا تعنى بالسياسة إلا من باب تسيير الأمور مرحليا نحو الإنتماء الأوسع الذي يفترضه الشخص
تجد ذلك بوضوح في مقارنة بين البوطي في رسالته حقائق عن نشأة القومية التي يحلق فيها كما في كبرى اليقينيات وكتابه الجهاد الذي تشعر أنه يحاول إقناعك بما هو ليس مقتنعا به
بينما رأى آخرون أن تحقيق الإنتماء الإسلامي غير ممكن فاستبدلوه بانتماء إنساني كانت بوادره واضحة في الفكر الأوربي
وبين هذا وذاك اندفع ذوي الأصول الأوربية نحو انتماء إسلامي أصولي نظري كشرط لا بد منه لبناء انتماء إسلامي واقعي وأظن أن بيئتهم ودوافعهم التي جعلت من ثلاثتهم علماء الحديث المسلمين في النصف الثاني من القرن العشرين هي نفس الدوافع التي جعلت من نوابغ بلاد السند وما وراء النهر معظم علماء الحديث في عصر التدوين ولا يشذ عن ذلك الإمام أحمد رغم كونه شيباني إلا أنه ولد وعاش طفولته في شيراز

لعل هذه مجرد تساؤلات أطرحها دون أجوبة واضحة لمحاولة تلمس الخطوة التالية

حامد

Tuesday, August 21, 2007

وليزهق الباطل



الخطر الحقيقي...

هو الذي يحصل على الحدود الشمالية لسورية!

نعم... هناك في تركيا يكمن الخطر الحقيقي لكن ليس على الناس بل على الأنظمة العربية "الدّعية-الإسلاميّة"، هناك قال الناس كلمتهم بحرية رغم أنف العسكر، هناك اختار الناس من قدم إجابات حقيقية ملموسة تروي غليل المحتاج مادياً... وغليل المحتاج معنويا أيضاً، وأسقط في يد العسكر.

فحزب العدالة ضرب جذوره في تربة غنية وأصبح الناس هم مالكو حزبهم وليس العكس... ولذلك بالذات سيحمونه ويرعونه كي يستمر بالعطاء والنماء، ولا خوف بعد الآن من العسكر وإن نفذوا تهديدهم، فمن يتحكم باللعبة الآن هم أولئك البسطاء الذين حققوا النصر "الإلهي الإنساني" أيضا.

أتمنى لهم أن يمتلكوا قدرهم ببصيرة ووعي وألا يفرطوا في ما صنعت أيديهم ظنا منهم أنها "كرامة" خوارقية.

نتطلع للأتراك مرة أخرى كي يعينوننا على مماليكنا اليوم كم أعانونا على مماليك أيامنا الماضية، لكن هذه المرة بنصر وتثبيت من شكل آخر، بنموذج ناجح لحريات وعدالة و تنمية حقيقية.

بئس ما صنعت أياديكم يا مدّعي التقدمية العروبة والوطنية، ولتذهب إلى الجحيم جثتك المتعفنة يا حزب البعث، فلم يعد بإمكاني الإقياء أكثر.

*

Tuesday, July 24, 2007

تجربتي المنقضية مع حزب التحرير وتداعياتها - الجزء الأخير

الدولاب تسمية معروفة لكل السوريين بفضل الثقافة الإرهابية الرسمية، وكانت له رهبة وغموض أسود خاص به، ورغم معرفتي ويقيني التاميين أن المحقق يعرف تماما من يسأل عنهما و رغم يقيني أنني بإمكاني تجنب "الدولاب" فقط بإقراري بمعرفتهما قبل أن أغادر الغرفة! إلا أنني كنت أريد لقاء هذا الغول الغامض ومجابهته وجها لوجه، وهكذا لذت بالصمت منتظرا هذا الدولاب البعبع.



<>- حدثنا عن فترة اعتقالك، مع المجموعة التي اعتقلت معها، عددالمعتقلين، ظروف التحقيق، مكانه ومكان السجن، ظروف السجن، مدى احتكاكك بسجناء من خلفيات أخرى، علاقتك بأعضاء الحزب المعتقلين أثناء السجن، المحاكمة إن وجدت؟

اعتقلت بتاريخ 29/12/1999 حوالي العاشرة ليلا فيما يشبه الاختطاف الذي نعرفه من القصص والأفلام. يومها كانت مكالمة غريبة من والدتي قد أثارت لدي توجسا عميقا، فقد أخبرتني أن هناك من يدّعون أنهم أصدقائي من أيام خدمة العلم (أي منذ العام 1993 !!) يريدون رؤيتي وأنهم يحملون رسالة لي، وعندما سألت ما أسماؤهم وما أعمارهم تعجبت أكثر مما وصفت، ولما قلت لها أن تستلم الرسالة بدلا عني أخبروها أنني يجب أن أستلمها بيدي، هنا طلبت منها أن تحصل على رقم هاتف منهم علني أتصل بهم فيما بعد... وبعد قليل تلقيت اتصالا من أحدهم يقول لي أنه أبو ثائر (؟؟) وأنه يجب أن يسلمني الرسالة... وألح في معرفة عنوان منزلي بدقة إلا أنني استطعت إقناعه بأنني سألتقيه في مكان يسهل على كلينا الوصول إليه.

كل ماكان يجري كان يؤكد لي أن هناك أمرا مريبا وأن احتمال وشاية أو تقرير إلى الأجهزة القمعية ( ولا أقول الأمنية ) قد يكون وراء مسرحية بوليسية كهذه، وقد تأكدت من ذلك عندما استطعت الوصول إلى مكان اللقاء بحيث أرى من ينتظرني ولا يراني، وأبصرت الباص الصغير المحمل بالعناصر المسلحة وكذلك سيارة الضابط التي كان محركها يدور رغم أنوارها المطفأة، في هذه الأثناء وصل أخي إلى مكان يستطيع منه مراقبة مايحدث دون أن يتدخل كما طلبت منه عبر الهاتف قبل أن أغادر المنزل لأنني لم أكن مطمئنا لما قد يحدث في خضم كل هذا الغموض. ترددت قليلا وتباطأت خطواتي وكان بإمكاني التراجع والتواري في الظلام إلا أن الذي كان يحيرني هو التساؤل عما قد يكون السبب في هذا، ولإيماني الكبير أنه لا مبرر للقلق ويقيني أنني كنت أقول في العلن ما أضمره في نفسي قررت المتابعة ومواجهة الأمر كائنا ماكان بدلا من الهرب الذي يثبت علي أية تهمة وإن كانت كاذبة.

وما إن وصلت إلى الرجل الذي ينتظرني (علمت فيما بعد أنه عقيد في المخابرات الجوية اسمه الأول مطانيوس) ومددت يدي مصافحا ومعرفا بنفسي حتى تشبث بذراعي بشدة وأحاط بي العساكر تحسبا أن ألوذ بالفرار (؟!)

أخبرهم الضابط ألا يزعجونني -لأنني على مايبدو محترم، على حد تعبيره (!!)- وفعلا لم أتعرض لأي إزعاج!!، إلا أن هذا لم يغير من إجراءات تكبيل يدي خلف ظهري و وضع عصبة على عيني بالإضافة إلى إلزامي بخفض رأسي ليلامس ظهر الكرسي الأمامي.

وبعد أن أكد الضابط لأخي -الذي كانوا قد أمسكوا به- أنني مطلوب للسؤال فقط ولن يطول الوقت حتى أعود، انطلق الباص الصغير ( ندعوه سرفيس في سورية) في ظلمات تلك الليلة يقودني في رحلته نحو المجهول وقد تجاوزت الساعة الحادية عشرة ليلا و دماغي يكاد يتمزق لتسارع الأفكار وتزاحمها في محاولة اكتشاف ماذا؟ ومن؟ ولماذ؟ا وإلى أين؟

أما كيف جرت الأمور بعدها فهي مشابهة كثيرا لما كتب في هذا الشأن من قبل معتقلين سياسيين سابقين، شتائم وإهانات صفعات وخلافه، وهذا حصل بعد أن اجتزت مرحلة الديوان حيث سجلت كافة المعلومات عني وتم التقاط صور لي كما الأفلام الأمريكية وتم تجريدي من كل شيء ما عدا ملابسي وحذائي الذي نزعت سيوره تلبية لطلبهم. وبعد أن تم تفتيشي مرة ثانية، وضعت في زنزانة "إفرادية" تبلغ أبعادها (180X220سم) مع أربعة أشخاص آخرين كنت أتقاسم معهم طعام الإفطار والسحور (كنا في الأيام الأخيرة من رمضان) وعلمت منهم فيما بعد أنهم كانوا عناصر أمن تابعين للمخابرات الجوية موقوفين لمخالفات مسلكية بسيطة، هذا في اليوم الأول من اعتقالي... إذ بقيت أنتظر يومين أو أكثر قبل بداية التحقيق معي، وطيلة اليومين أو الثلاثة كنت مازلت لا أعلم سبب اعتقالي، قد أخبروني أثناءها أنني موجود في فرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية. وفيما عدا الاستقبال الذي قام به السجانون عندما دخلت مبنى السجن (الذي كان فوق الأرض) فإنني لم أتعرض لأية إساءات أخرى، ويبدو أن توجيها بعدم الإزعاج أو الاعتداء البدني على الموقوفين قد عمم عليهم.

في صباح أحد الأيام تم استدعائي للتحقيق، إذ تم فتح المزلاج المعدني في باب الزنزانة مصدرا صوتا كريها، و وقف السجان مخاطبا إياي طالبا مني التوجه إلى التحقيق: هيا بسرعة إلى التحقيق... إنزع حذاءك... لا تبق شيء على جسدك ماعدا البنطال! وهكذا خرجت عاري النصف الأعلى من جسدي (علمت من المعتقلين الآخرين أنني كنت محظوظا... ففي الفترة الأولى كان التحقيق يتم والسجين عار إلا من السروال الداخلي فقط) في ثاني أيام كانون الثاني البارد أخطو على الأرض الرطبة بجاربي الذين لم يخطر ببالي نزعهما، وأنا أحاول تلمس مواقع قدمي بجهد وحذر لأن السجان كان قد عصب عيني و وضع قيدا أحاديا في كلا معصمي الذين أمرت أن أضعهما وراء ظهري، ومن ثم كان يمسك بعضدي مرشدا لي في أي اتجاه أسير وأية درجات أهبط أو أصعد.

وأتت اللحظة التي كنت أنتظرها... السؤال الذي طرق أذناي مبددا كل حيرتي و تخبطي في معرفة سبب اعتقالي، فبعد أن قدمت نفسي يالطريقة التي تم تعليمي إياها "الموقوف همام يوسف سيّدي المحقق"... سألني الضابط (عرفت أنه كان برتبة عقيد فيما بعد، وأن اسمه "عامر العشي"): ما علاقتك بحزب التحرير؟

وتنفست الصعداء... و حدثت نفسي... "إذن هذا هو السبب... يا لهذه المشكلة التافهة... هذا أمر قديم ولاشك أنهم عندما يعرفون أنني منقطع عن الحزب منذ حوالي السنوات العشر، سيدركون تفاهة المسألة." أجبت: ليس لي علاقة معهم الآن... كان لي علاقة قديمة و انتهت. وتابع أسئلته مستفسرا عمن كان معي في الحلقة؟ وما كان اسم مدير الحلقة؟ وكيف ومتى كنا نجتمع؟ ماذا كنا نقرأ؟ وعن المبلغ المالي الذي كنت أسهم به للحزب...الخ، أسئلة تنم عن معرفة شاملة و مفصلة بدقائق الأمور، مما أكد لي احتمال صحة ظني أن أحدا من أفراد حلقتي القديمة قد تم القبض عليه لسبب أو لآخر، إلا أن هذا لم يزعجني كثيرا لأن جميع الذين كانوا معي في الحلقة كانوا قد أنهو علاقتهم بالحزب في الوقت ذاته وللأسباب ذاتها. كنت أجيب على أسئلة المحقق بالقدر الذي يكفيه و لا يورطني في أسئلة أخرى بشكل مقنع، فطوال الوقت كنت هادئا متوازنا و"متجاوبا" فما كان منه إلا أن قال لي: إذهب واكتب تقريرا بالذي قلته لي الآن.

وبعد أن كتبت التقرير الذي يبدأ بالعبارة: "تقرير الموقوف فلان الفلاني... سيّدي المحقق..." والذي لم يتجاوز نصف الصفحة (الأمر الذي أثار استغراب واستهجان السجان الذي حذرني من إغفال أي شيء؛) تم إيصاله إلى المحقق وتمت إعادتي إلى الزنزانة لأنتظر هناك يومين آخرين قبل استدعائي للتحقيق للمرة الثانية عصر أحد الأيام.

وفي هذه المرة خلعت جواربي لأنني لم أرد أن تتسخ بمياه الأمطار المختلطة بالأتربة والأوساخ... قادني السجان إلى غرفة تحقيق مختلفة بحسب تقديري (لأنني كنت معصوب العينين كالعادة،) وفي هذه المرة كان الأمر سريعا فبعد أن قدمت نفسي "الموقوف همّام يوسف سيّدي المحقق (كم كنت أكره كلمة "سيّدي" وكنت أبذل جهدا لقولها) سألني المحقق بشكل مباشر ومباغت من هما فلان وفلان؟!!

لحظتها شعرت أن جبلا قد انهار فوق رأسي وأن نارا قد اشتعلت في صدري وجففت الدماء في عروقي، وأدركت أن الأمر أكبر وأكثر اتساعا مما ظننت سابقاً، وأن الأمر سوف يستمر بالاتساع وسوف يصل إلى أشخاص ليس من المهم أو الأساسي بالنسبة للجهات الأمنية أن تعرفهم، وهم لن يقدموا أو يؤخروا في شيء بالإضافة إلى حقيقة أنهم أيضا كانوا قد أنهوا علاقتهم بالحزب بشكل مؤكد، وهم يعيشون حيواتهم بهدوء وسلام مع زوجاتهم وأبنائهم! كيف وصلت أسماؤهم إلى المحقق؟! من هو الذي تبرع بهذه الأسماء علما أنه من الممكن عدم ذكرها؟!! كيف سألتف حول الموضوع دون تعريض آخرين لهذا الذل وهذه الأساليب المتخلفة القميئة؟!!

كل هذا احتشد بتسارع تجاوز الزمن مخلفا احتقانا عالي الضغط في دماغي الذي غاب لفترة لا تزيد عن الثانيتين!! وهنا قررت أن أجيب بتساؤل علي أتيح لنفسي التفكير لثوان أخرى: من فلان وفلان سيدي؟ (وكان قد ذكر فقط اسميهما فقط دون لقبي عائلتيهما.) هنا انقلب عالمي رأسا على عقب، إذ ما أن سمع كلماتي حتى قام باستدعاء السجان بصوت الجرس الكريه وهو يقول: "ما بتعرف مين هنّن لكن... هلأ منشوف شلون رح خليك تعرف... خدو عالدولاب."

الدولاب تسمية معروفة لكل السوريين بفضل الثقافة الإرهابية الرسمية، وكانت له رهبة وغموض أسود خاص به، ورغم معرفتي ويقيني التاميين أن المحقق يعرف تماما من يسأل عنهما (وإلا كيف ذكرهما بهذا التحديد وسألني أنا عنهما، فهو لم يقل: هل تعرف...؟ بل قال: من هما... ؟ أي أنه كان يختبر مدى طواعيتي، وربما كان يريد زيادة تأكيد معلوماته -وهو ما تبين لي صحته فيما بعد- ويريد مني إقرار صحة ما لديه،) و رغم يقيني أنني بإمكاني تجنب "الدولاب" فقط بإقراري بمعرفتهما قبل أن أغادر الغرفة! إلا أنني كنت أريد لقاء هذا الغول الغامض ومجابهته وجها لوجه، وهكذا لذت بالصمت منتظرا هذا الدولاب البعبع.

لم يكن لقاءا جيدا... فبعد أن جرني السجان من عنقي خارجا، وقادني إلى زاوية ما لا أعرف مكانها أو جهتها، أمرني متلفظا بأشنع الألفاظ -التي تجود بها ألسنة أقذر مخيلة بشرية يمكن تخيلها- بالاستلقاء على بطني وثني ركبتيّ رافعا قدماي إلى أعلى بحيث يصبح باطنيهما متجها إلى أعلى، مما سهل عليه الانهيار (كانهيار الجبال) عليهما بعدد فقدت القدرة على إحصائه من الصواعق الخيزرانية التي كان أصوات حفيفها وهي تشق الهواء تختلط بأصواتها وهي تصطدم بلحم قدميي (العاريتين المبللتين بمياه الوحول) وتمتزج بصراخي و جعيري (لم أكن أتخيل أن الإنسان يمكن أي يصدر أصواتا كوحوش الغابات قبل ذلك،) ويتخلل ذلك كله أشنع الشتائم النابية التي لا يمكن لإنسان له أم أو إخوة أو أخوات أن يرضى بسماعها عن شخص آخر، فكيف عن نفسه؟!!

لم يكن دولابا كما تخيلته... إلا أنني بعد أن فقدت القدرة على إحصاء العدد، قررت الاستسلام فأخبرته باكيا (وهذا أمر يصعب الاعتراف به عادة) لشدة الألم أنني أعرف الشخصين الذين سُألت عنهما. فنهرني آمرا بالوقوف فلم أستطع وضع قدماي على الأرض بالكامل لشدة الألم، فسرت متباطئا أمشي على جانبي قدميّ كالكسيح عائدا إلى الزنزانة، فعلى مايبدو أن المهمة قد أنجزت... ولم يكن مهما أن يسمع الضابط تأكيدي بمعرفتهما في تلك اللحظة!

كتبت التقريرالمطلوب بأنني أعرف الشخصين المذكورين وذكرت أنني لا أعرف عنوانيهما الحاليين فنحن لم نلتق لسنوات، وقمت بتزويدهم بعنواني سكن أهلهما الذي أعرفه؛ وهكذا... وبعد أن مر علي يومين أو ثلاثة مع عناصر الأمن المسجونين، جاءني السجان في ليل أحد الأيام وفتح مزلاج الباب الحديدي قائلا: هيا بسرعة... إجلب أمتعتك وكل ما جئت به واخرج... قلت له: هل أخلع الحذاء؟ فأجاب بالنفي... واعترتني فرحة اجتاحتني كموجة دافئة محدثا نفسي: "أخيرا انتهى الكابوس... هاقد تم التحقق من الأمور وأنني منقطع عن الحزب لقناعة آمنت بها منذ سنوات عشر خلت، لقد أدركوا أنه من العبث محاسبة شخص آخر مختلف تماما عن ذلك الشاب الصغير، فالعقاب الرجعي الأثر أمر يكاد يكون نكته في حد ذاته... وهنا سألت السجان إن كان بإمكاني مصافحة زملاء الزنزانة مودعا، فابتسم بامتعاض: لا مانع... هيا أسرع" ففعلت ذلك وحملت معطفي الشتوي وسرت أمامه (وهو إجراء أمني منعا لاحتمال تعرض السجانين لاعتداء) متجها نحو باب مبنى الزنازين الثقيل، وتوقفت هناك منتظرا أن يفتح على حريتي الحبيبة، فما كان منه إلا أن أشار إلي قائلا: إلى أين...؟ تابع مسيرك تابع... قف أمام ذلك الباب، مشيرا إلى باب حديدي عريض إلى يساري، وقفت هناك ريثما يفتح الباب على ظلام غطى أشباح أجساد بشرية تصطف بمحاذاة الجدار وظهورها بمواجهتنا... كنت على درجة من الذهول والخيبة سمرتني في مكاني ما حدا به أن يدفعني إلى الداخل مغلقا الباب ورائي بصوت المزلاج الكريه، بعد أن خطوت خطوة واحدة إلى الأمام مما جعلني في وسط الغرفة تماما. بدأت الهامات البشرية تستدير ببطأ موجهة أنظارها إلي واقتربت الوجوه نحو وجهي بعيون يملؤها الفضول والعطش.

كانت تلك زنزانة "جماعية" تحوي 21 نزيلاً يتقاسمون مساحة تتجاوز الأمتار الستة بقليل فأبعادها كانت (220X320 سم) تفترش أرضها البطانيات المهترئة، وينيرها ضوء أصفر للمبة زجاجية معلقة عل الجدار قرب السقف... ذلك كان منزلي لشهور ثلاثة.

يمر الوقت بتسارعات مختلفة بل ومتناقضة احيانا، إذ يطير الوقت بسرعة البرق بعد الساعة الثامنة أو التاسعة مساءاً وهكذا إلى بزوغ الصباح. ثم يتباطأ بشدة مميتة منذ الاستيقاظ حوالي السابعة والنصف صباحا -موعد بدأ الدوام الرسمي وممارسة الضباط والعساكر مهامهم الرسمية الوظيفية بجلد المواطنين المعتقلين أو تعذيبهم والتحقيق معهم- إلى أن ينتصف النهار ويهل وقت الغداء في االثانية عشرة والنصف أو الواحدة؛ خلال هذه الفترة تكون أعصاب المعتقلين في الزنازين من التوتر والتحفز والهلع بحيث يمكن أن تتقصف كما لو أنها أغصان شجرة جافة.

ويزيد من القهر المعدني المصمت للثواني المتعمدة البطأ، تلك الصرخات المترعة بالألم والرعب التي يطلقها المساكين الجدد الذين كانوا يصلون على فترات، أثناء اجتيازهم جحيم الاعترافات الأولى، في مواجهة الدولاب أو وسائل وحشية أخرى لكل حسب عتبة ألمه قبل القبول بسطوة الألم الخبيثة على الأبدان والأرواح.

وما أن يبدأ توزيع طعام الغداء حتى تأخذ النفوس بالهدوء لأن التحقيق وما يلازمه من تعذيب وإهانات يتوقف كي يتمكن الجميع من تناول طعامهم! أي حوالي الساعات الثلاث أو الأربع.

كان الغداء يعد (في الغالب) في مطابخ القطعة العسكرية التابعة للمخابرات الجوية في مطار المزة العسكري حيث كان فرع التحقيق والمداهمة أيضا. ولم تكن الكميات كافية لجميع المعتقلين وغالبا ما كانت السرقات تؤدي إلى إنقاص كميات الخبز من ثلاثة أرغفة إلى رغيفين فقط للفرد، وينطبق الأمر ذاته على الزيتون والحلاوة ومربى المشمش، وأذكر على سبيل المثال كيف كانت حصة 20 رجلا من الحلاوة المخصصة لطعام الإفطار (كانت حصص الإفطار توزع في الليلة الأسبق) لا تكاد تبلغ قبضة اليد في أحد الأيام، أما الزيتون فكان نصيب المعتقل منا يتراوح مابين حبتي زيتون إلى سبع حبات في أفضل الأحوال، وكثيرا ما كنا نأكل قشور البرتقال ونتقاسمها لشدة الجوع عندما ينوبنا بعض حبات البرتقال أو الـيوسف أفندي (ماندارين.)

بعد الغداء، أي في فترة النوبة المسائية، إلى مابعد التاسعة بقليل يعود الوقت لتباطؤه القاتل المعتاد بسبب عودة عجلة التحقيق الروتينية للدوران من جديد، أي التعذيب والصراخ والضرب والشتائم والاستغاثات المفتته للأعصاب

إضافة إلى هذه العجلة الجهنمية التي تقرض المشاعر والأحاسيس وتتلاعب بسلامة العقول وتوازنها بسبب تكرارها اليومي الحتمي، من توتر إلى راحة فشد عصبي إلى استرخاء يليه ضغط، خوف وهلع يليه لحظات من الفرج تليها ساعات من الرعب والتحفز ثم النوم القلق كالسردين (ليس مجازا بل واقعا حرفيا) إلى الاستيقاظ على صوت السجان الذي يفتح الباب بقوة مصدرا صوتا إرهابيا ممقوتا ومناديا على اسم مسكين من الخراف التي غلب على أمرها؛ إضافة لكل ذلك كنا نعاني من معضلات ثلاث في فرع التحقيق:

مشكلة النوم وانتشار القمل والجرب (نظرا للتكدس وحقيقة بقائنا بلا استحمام لفترة خمسة أسابيع على الأقل)
الخروج للتغوط أو التبول (نتيجة للعدد الكبير من المعتقلين و وجود فقط أربعة كبائن تغوط للجميع)
قلة الطعام ونوعيته السيئة (العديد من المعتقلين فقدوا من 10 – 20 كغ من وزنهم)

ورغم انتقالي مع اثنين آخرين من الزنزانة الجماعية (بناءا على طلبنا) بعد حوالي الثلاثة أشهر من العيش فيها إلى زنزانة إفرادية، إلا أن المشاكل استمرت كما هي، فقد انضممنا إلى نزيل موجود قبلنا في الزنزانة واستمرت إضافة معتقلين آخرين إلى أن وصلنا في إحدى الفترات إلى سبع أشخاص في مكان مخصص لاثنين بالأكثر! وكنا ننتظر اليوم الذي يتم نقلنا فيه إلى سجن رسمي كصيدنايا، وهو ما حدث فعلا في صباح 29/5/2000.

مرحلة صيدنايا تختلف جذريا عن مرحلة التحقيق من حيث سعة المكان كمية الطعام والنظافة الشخصية، بالإضافة إلى أمر مهم جدا هو انتهاء الشد النفسي الناتج عن كل ما كانت تثيره حفلات التعذيب من رعب وقلق وجوديين، إلا أنني أستثني منها فترة الأسبوعين الأولين حيث شهدنا فيها فيضانا من الشتائم المقذعة والإهانات الجسدية والمعنوية والضرب العنيف المباشر من صفعات و ركلات و لكمات (بقيت لمدة شهرين لا أستطيع الاستلقاء على جانبي الأيمن بعد أن لكمني المدعو "فاطر" على أضلاع صدري التي أظنها كسرت في تلك الحادثة.) سبب ذلك أن إدارة السجن استقبلتنا على أننا عملاء وجواسيس للعدو الصهيوني وأننا منتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين!! ولم يتم إعلامهم بحقيقة أمرنا وأننا كنا بنسبة 50-60% من الجامعيين و حتى من حاملي شهادات عليا في الجراحة و الهندسات والصيدلة... الخ، وكنا نمتنع عن إخبار عناصر الشرطة العسكرية بذلك تجنبا لزيادة الإهانات والقهر عندما يعلمون أننا تجاوزنا البكالوريا بنجاح!!

تغير هذا الوضع بعد قدوم اللجنة الأمنية التي قابلت عدة أفراد رشحوا لذلك، حيث أعلموا أعضاء اللجنة أننا ( حوالي الـ 250- 300 ) موقوفون على ذمة حزب التحرير الذي لا علاقة له بالإخوان المسلمين أو أعمال عنف مسلحة أو غير ذلك (لم يتم العثور على قطعة سلاح واحدة لدى أي من المعتقلين الذين قارب عددهم الـ 450 توزعت أماكن احتجازهم ما بين فروع التحقيق والمنطقة وإدارة المخابرات الجوية.) بعد هذا اللقاء تحول وضعنا من موقوفين على ذمة التحقيق إلى سجناء رسميين! فقط بقرار من اللجنة وليس نتيجة محاكمة! وهكذا منحنا كل ما يمنح للسجين الرسمي ورفعت عنا المعاملة المتوحشة بعد حوالي الأسابيع الثلاثة. هذا كان يعني فتح المهاجع العشرة التي يتألف منها الجناح ( - أ- يسار، الطابق 3) على بعضها طيلة النهار، الحصول على المشتريات و فترات التشميس في الباحة وقراءة الجرائد الرسمية وبعض الكتب المتوفرة.)

المحكمة
تمت جدولة أسمائنا للمثول أمام محكمة أمن الدولة على دفعات وقد كانت المحاكمات تسير على نظام 3 مراحل التحقيق، توجيه الاتهام، ثم جلسة النطق بالحكم. تم عرض الجميع على المحكمة بالنسبة للمرحلة الأولى، و تمت متابعة المرحلة الثانية مع أعداد قليلة ولكن لم تكتمل بالنسبة للجميع بسبب صدور عفو بشار الأسد الشهير بتاريخ 16/11/2000، والذي عفا بموجبه عمن قد تجاوزوا فترات أحكامهم المفترضة! ( إذ كان من المنتظر الحكم على كل من تشبه حاله حالي -أي الغير حزبيين- بستة أشهر بتهمة كتمان المعلومات!) وهكذا أطلق سراحي بعد مرور العام تقريبا على اعتقالي.

الاحتكاك مع بقية المعتقلين
مما لفت انتباهي من خلال احتكاكي مع معتقلي حزب التحرير -الراهنين حينئذ- أن السوية الثقافية الحزبية وسوية المحاكمات العقلية العلمية والمحاججات المنطقية قد انخفضت بشكل ملحوظ عما كنت عرفته قبل تسعة أعوام، وقد عزوت هذا إلى حقيقة اعتقال عدد لا بأس به من أعضاء الحزب المهمين في بداية التسعينات وانسحاب عدد ملحوظ من الدارسين في ذلك الوقت، مما دفع الحزب حينئذ إلى انتقاء قيادات بديلة بشكل إسعافي لم يتوخ الحرص على سوية ثقافية أو علمية عالية كما هو المألوف عادة، مما أدى إلى تحويل نشاط الحزب بشكل أكثر مما مضى إلى زيادة الانتشار الأفقي بتسارع كبير عاد بأثر سلبي على سوية التحصيل والبناء الثقافي الفردي، أي بكلام آخر أن الحزب عمل بشكل واضح على زيادة أعداد الموالين له على حساب إعداد نخبة قيادية راسخة، الأمر الذي كان موجودا دائما ضمن النهج العملي للحزب إلا أنه لم يسبق له أن كان على الشكل المرضي الذي خبرته.

وأيضا قد يعود تقييمي السابق للسوية المتواضعة لأعضاء حزب التحرير ولاية سورية إلى حقيقة استمراري بالاحتكاك أكثر وأكثر بعالم الفكر ووجهات النظر والتحاليل المختلفة للخلل الذي يعاني منه العالم الإسلامي، والانفتاح الفكري الكبير على جميع الطروحات المتواجدة على الساحة والتي تنوعت مابين الإسلامي و اللا إسلامي والليبرالي والمحافظ والعلماني.... الخ.

نتيجة لكل ما سبق فقد كان الاحتكاك مع الحزب يتراوح مابين النقاش الفكري للجذور المفهومية التي بنى عليها الحزب هيكله الفكري، وما بين المشاحنات الكلامية والمواقف المتصلبة العدائية التي تولدت نتيجة تصنيفي مع مجموعة من الأشخاص على أننا نشكل خطرا فكريا ويجب نبذنا! إلا أن هذه الفترة أتاحت لي اختبار جميع المفاهيم التي كنت أحملها كمسلم "لا عنفي" والتي كنت أعيشها و أطورها بناءا على ما اكتسبته من المفكر جودت سعيد ومالك بن نبي بشكل أساسي وفكر المقاومة المدنية بشكل عام، وكان من نتيجة ممارستي لحياتي وسلوكياتي بناءا على هذه القناعات أنني تركت السجن وقد اكتسبت من الأصدقاء والمتعاطفين العدد الكثير رغم إدراكهم بشكل واضح لا يخالطه شك أنني مختلف عنهم.

الشيء المهم الذي لا يجب أن يتم تناسيه هو وجود براعم تيار إسلامي تنويري متحرر قادر على التواصل مع الأطراف جميعها، الإسلامية وغير الإسلامية التي تنشط في الساحة السورية والعربية بشكل أوسع، تيار يعتقد أن «ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأما الزبد فيذهب جفاءا» كقاعدة تحكم جميع مشاريع النهضة والإصلاح أو التغيير، تيار يعتقد أن «العدل» و «النفعية» هي المقدسة وليس الأشخاص الكلمات أو الحروف بحد ذاتها. هؤلاء كانوا بعض الذين التقيت بهم هناك.

وللمفارقة بعضهم أيضا كان من «التيارات العلمانية» الذين كنت أستطيع وأستمتع بالحوار معهم على عكس معظم من كانوا حولي من المنتمين إلى التيارات الإسلامية التي تحجرت على تقديسها لقادتها أو مشايخها بشكل أعمى ومنزه عن النقد الذاتي الضروري لأي حركة تتوخى البقاء والتطور، بمن فيهم حزب التحرير الذي قدس النبهاني لشخصه لا لإبداعه و قدرته على الاجتهاد، والله أعلم.


<>- كيف اختلف همّام ما بعد الاعتقال عنه ما قبل الاعتقال؟ وكيف تقيم تلك التجربة بمجملها بعد هذه السنوات على مرورها؟

لا أظن أن هناك تغيرا كبيرا حصل لي إلا من باب تقديري للحياة بأبسط جوانبها وتفاصيلها التي غالبا ما نمر عليها كما لوأنها أمرا اعتياديا. إن مراقبة السماء لحظة غروب الشمس أمر لن يشعر الإنسان بجماله مالم يحرم منه أو يراه من خلال قضبان الأسر، وتصبح قدرتنا على التغوط أو التبول لحظة حاجتنا له أمر غير مفروغ منه كما نعتقد.

ما يجب أن نعرفه عن السجين والمعزول في زنزانة إفرادية على وجه الخصوص هو أنه يموت في اليوم الواحد بعدد المرات التي يوقظه بها الوعي المفاجئ على حقيقة قبوعه ما بين أربعة جدران صماء لم ولا ولن تتغير مهما طال زمان بقائه بين جوانحها.

ولا أدري في الحقيقة أين يمكن أن أضع تجربة إعتقالي الماضية على وجه الدقة، لكن ما أعرفه هو أن الإنسان مستعد لأن يدفع ثمن أفكاره وقناعاته التي يحملها مهما بلغت هذه الأثمان، ويستوي في هذا المنتمين إلى التيارات جميعها على اختلافها بل تناقضها أحيانا. إلا أن الاطمئنان الذي يحمله "اللا عنفي" في داخله أمر لا يقدر بثمن. إن قدرتنا على كسب ثقة من نختلف معه بنا وبمصداقيتنا هي أحد أهم المقاييس لنجاح الحراك المدني الذي نعتقد بصحة توجهه.

تجربة الاعتقال والسجن لم تكن خيارا بل قضاءا من الله، وأنا إن لم أستطع إدراك تتالياتها أو ما سينبني عليها مستقبلا فهذا لم يمنعني من عيشها بالشكل الذي ارتضيته لنفسي، إلا أنني لا أرغب بتكرارها ثانية وهذا أمر فطري مفروغ منه.

<>- إذا قررت الانتساب لحزب سياسي الآن، فهل سيكون حزب ديني؟ ولماذا؟ وكيف تنظر الآن إلى تجربة الإسلام السياسي؟

إن كان هناك من حزب أرتضي الانتماء إليه فسيكون حزبا قريبا من نموذج حزب العدالة والتنمية التركي. إن طبيعة إيماني بالإسلام كفلسفة حياة وكون لا تخلق تضاربا أو تناقضا ما بين الإلهي والموضوعي وهما بالنسبة لي وجهان لعملة واحدة. إن الإيمان بالله بالنسبة لي يعني الإيمان بالحرية كشرط لازم غير كافي للتنمية والعطاء والعدالة.

ما يصنف اليوم على أنه إسلام سياسي هو تعبير موضوعي عن فكر وثقافة موجودان موضوعيا ويجب الاعتراف بهما، وكان يمكن لتيارات الإسلام السياسي الحالية أن تجد نفسها على المحك إن أتيح لها الوجود والحراك إلى جانب مجموع التيارات الأخرى العلمانية الليبرالية اليسارية ....الخ، إلا أن القمع والمنع والإقصاء سيؤديان في النهاية إلى تفجر عشوائي مدمر سيأخذ معه الأخضر واليابس. ومن غير شك أن تصلب بعض تيارات الإسلام السياسي في رفضها للعملية الديموقراطية من حيث المبدأ كحزب التحرير على سبيل المثال لا الحصر، تخلق لنفسها كابحا ذاتيا سيزيد من احتقانها الداخلي وبالتالي يزيد من تشنجها وتمسكها الشديد بمواقفها الإقصائية المتطرفة للآخر المختلف.

ويتضاعف القلق من كوارث تفكك بل اصطراع تناقضات مجتمعيه داخلية؛ إن تلاقت تطلعات الشريحة الأكبر من شرائح المجتمع السوري، وأقصد بها الطائفة السنية تحديدا، للحرية والعدالة والتنمية والرخاء، مع الوعود المعسولة التي تبثها اتجاهات سياسية تنتمي إلى الخلفية الدينية المشتركة ذاتها دون أسس موضوعية منطقية قابلة للتحقيق، وخصوصا في أجواء القمع والقهر وكم الأفواه والآمال وانعدام فرص التعبير عن الذات في جو من الحريات الأساسية العامة. هذا اللقاء ما بين إحباطات مكبوته وبين تشدد وتشنج إتجاهات إسلام سياسي إقصائية هو الأمر المخيف والمحذور. والوضع السياسي القائم من أبعد ما يكون عن تقديم حل ناجع إن لم نقل أنه يسهم بشكل مثابر على تكريس هذا التأزم ومن ثم التهديد بتفجيره بغباء سياسي يتناسى أن قوة الانفجار ستطيح بالجميع بمن فيهم من سيحرر عتلة التفجير.

ليس كون الأحزاب دينية أو لا دينية هو المشكلة، الخطر يكمن في الثقافة الإقصائية الشمولية التي تعاني منها المذاهب أو الاتجاهات أو الجماعات و الطوائف و الحركات و حتى العلمانية منها.