Thursday, March 22, 2007

نزار ودمشق... عنده يصمت القلم

بمناسبة القرارات الأخيرة التي تتخذ في دمشق... حول دمشق... دون دمشق

والتخطيط العشوائي الذي يستهدف بدأ النيل من المدينة العريقة، واستهلال القضم المنهجي للنسيج العمراني لدمشق القديمة، لتنتفخ جيوب تجار الأوطان أكثر وأكثر! تم إنشاء موقع للتصويت بشأن قرارات هدم عدة أسواق في دمشق القديمة، بالإضافة إلى موقع للتوقيع على عريضة موجهة لمدير مركز التراث العالمي التابع لليونسكو لمتابعة الموضوع.

.


.

.
أما بعد... إليكم شاعر دمشق نزار قباني يتحدث عنها:

والذين سكنوا دمشق، وتغلغلوا في حاراتها و زواريبها الضيقة، يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون...

بوّابة صغيرة من الخشب تنفتح. ويبدأ الإسراء على الأخضر، والأحمر، والليلكيّ، و تبدأ سيمفونية الضوء والظّل والرخام.

شجرة النارنج تحتضن ثمارها، والدالية حامل، والياسمينة ولدت ألف قمر أبيض وعلقتهم على قضبان النوافذ.. وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا..

أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء.. و تنفخه.. و تستمر اللعبة المائية ليلاً و نهاراً..لا النوافير تتعب.. ولا ماء دمشق ينتهي..

الورد البلديّ سجَّاد أحمر ممدود تحت أقدامك.. واللَّيلكَة تمشط شعرها البنفسجي، والشِمشير، والخبَّيزة، والشاب الظريف، والمنثور، والريحان، والأضاليا.. وألوف النباتات الدمشقية التي أتذكَّر ألوانها ولا أتذكر أسمائها.. لا تزال تتسلق على أصابعي كلَّما أردت أن أكتب..

القطط الشامِّية النظيفة الممتلئة صحةً ونضارة تصعد إلى مملكة الشمس لتمارس غزلها و رومانتيكيتها بحريّة مطلقة، وحين تعود بعد هجر الحبيب ومعها قطيع من صغارها ستجد من يستقبلها ويُطعمها و يكفكف دموعها..

الأدراج الرخاميّة تصعد.. وتصعد..على كيفها.. والحمائم تهاجر وترجع على كيفها.. لا أحد يسألها ماذا تفعل؟ والسمكُ الأحمر يسبح على كيفه.. ولا أحد يسأله إلى أين؟

و عشرون صحيفة فُلّ في صحن الدار هي كل ثروة أمي.

كلُّ زّر فّلٍ عندها يساوي صبيّاً من أولادها.. لذاك كلما غافلناها وسرقنا ولداً من أولادها.. بكتْ.. وشكتنا إلى الله..

***

ضمن نطاق هذا الحزام الأخضر.. ولدتُ، وحبوتُ ، ونطقتُ كلماتي الأولى.

كان اصطدامي بالجمال قَدراً يومياً. كنتُ إذا تعثّرتُ أتعثّر بجناح حمامة.. وإذا سقطتُ أسقط على حضن وردة..

هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ على كل مشاعري وأفقدني شهِّية الخروج إلى الزقاق.. كما يفعل الصبيان في كل الحارات.. ومن هنا نشأ عندي هذا الحسُّ (البيتوتي) الذي رافقني في كلّ مراحل حياتي.

إنني أشعر حتى اليوم بنوع من الاكتفاء الذاتي، يجعل التسَّكع على أرصفة الشوارع، واصطياد الذباب في المقاهي المكتظة بالرجال، عملاً ترفضه طبيعتي.

وإذا كان نصف أدباء العالم قد تخرج من أكاديمية المقاهي، فإنني لم أكن من متخرّجيها.

لقد كنت أؤمن أن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة، له طقوسه ومراسمه وطهارته، وكان من الصعب عليَّ أن أفهم كيف يمكن أن يخرج الأدب الجادّ من نرابيش النراجيل، وطقطقة أحجار النرد..

***

طفولتي قضيتها تحت (مظلّة الفيْ والرطوبة) التي هي بيتنا العتيق في (مئذنة الشحم) كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندي، كان الصديق، والواحة، والمشتى، والمصيف..

أستطيع الآن، أن أغمض عيني وأعد مسامير أبوابه، وأستعيد آيات القرآن المحفورة على خشب قاعاته.

أستطيع الآن أن أعدّ بلاطاته واحدةً.. واحدة.. وأسماك بركته واحدةً.. واحدة.. وسلالمه الرخاميّة درجةً.. درجة..

أستطيع أن أغمض عيني، وأستعيد، بعد ثلاثيين سنة مجلسَ أبي في صحن الدار، وأمامه فنجان قهوته، ومنقله، وعلبة تبغه، وجريدته.. وعلى صفحات الجريدة تساقط كلّ خمس دقائق زهرة ياسمين بيضاء.. كأنها رسالة حبّ قادمة من السماء..

على السجادة الفارسيّة الممدودة على بلاط الدار ذاكرتُ دروسي، وكتبتُ فروضي، وحفظتُ قصائد عمر بن كلثوم، وزهير، والنابغة الذبياني، وطرفة بن العبد..

هذا البيت-المظّلة ترك بصماته واضحة على شعري. تماماً كما تركت غرناطة وقرطبة وإشبيليا بصماتها على الشعر الأندلسي.



من مفكرة عاشق دمشقي

.
فرشتُ فوقَ ثراكِ الطاهـرِ الهدبـا
فيا دمشـقُ... لماذا نبـدأ العتبـا؟
***
حبيبتي أنـتِ... فاستلقي كأغنيـةٍ
على ذراعي، ولا تستوضحي السببا
***
أنتِ النساءُ جميعاً.. ما من امـرأةٍ
أحببتُ بعدك..ِ إلا خلتُها كـذبا
***
يا شامُ، إنَّ جراحي لا ضفافَ لها
فمسّحي عن جبيني الحزنَ والتعبا
***
وأرجعيني إلى أسـوارِ مدرسـتي
وأرجعيني الحبرَ والطبشورَ والكتبا
***
تلكَ الزواريبُ كم كنزٍ طمرتُ بها
وكم تركتُ عليها ذكرياتِ صـبا
***
وكم رسمتُ على جدرانِها صـوراً
وكم كسرتُ على أدراجـها لُعبا
***
أتيتُ من رحمِ الأحزانِ... يا وطني
أقبّلُ الأرضَ والأبـوابَ والشُّـهبا
***
حبّي هـنا.. وحبيباتي ولـدنَ هـنا
فمـن يعيـدُ ليَ العمرَ الذي ذهبا؟
***
أنا قبيلـةُ عشّـاقٍ بكامـلـها
ومن دموعي سقيتُ البحرَ والسّحُبا
***
فكـلُّ صفصافـةٍ حّولتُها امـرأةً
و كـلُّ مئذنـةٍ رصّـعتُها ذهـبا
***
هـذي البساتـينُ كانت بينَ أمتعتي
لما ارتحلـتُ عـن الفيحـاءِ مغتربا
***
فلا قميصَ من القمصـانِ ألبسـهُ
إلا وجـدتُ على خيطانـهِ عنبا
***
كـم مبحـرٍ.. وهمومُ البرِّ تسكنهُ
وهاربٍ من قضاءِ الحبِّ ما هـربا
***

1 comment:

Ammar said...

ما أزال أذكر نظرات الدهشة والانبهار في كل مرة أكتشف فيها أحد أصدقائي الأجانب الجنة في أحد بيوتات دمشق القديمة. أتسائل: كيف يعجز مسؤلينا عن رؤية ما يراه الغرباء؟